Category Archives: مقالات

الإسلاميين وتطبيق الشريعة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم
البدء دائمًا في كتابة مقال، يشكل مشكلة لي في أغلب المقالات؛ فأجد أن أصعب شيء في المقال ربما يكون: “من أين أبدء؟”.
المسلمون في العالم يزداد نسبتهم يومًا بعد يوم ولله الحمد، والحديث عن تطبيق شريعة المسلمين في الحياة والحكم بات شيئًا ضروريًا، خاصة في ظل ثورات الربيع العربي التي اجتاحت العديد من البلدان العربية، والتي أتت بحكم الإسلاميين في البرلمانات والتي ستأتي بإذن الله بالإسلاميين في الرئاسة أيضًا.
الغرض من هذا المقال، هو توضيح شكل النظرة التي ينظر إليها المسلمين في أغلب الدول العربية الإسلامية للشريعة الإسلامية، وكيف هي شكل الدولة التي يُطبق فيها الحكم بالدين من وجهة نظر المواطنين في هذه الدول، و مناقشة أسباب اعتراض التيارات الفكرية غير الإسلامية المختلفة على قضية تطبيق هذه الشريعة.
في البلدان العربية، يحمل المواطنين أيديولوجيات فكرية مختلفة، تؤدي إلى تنظيمهم في مجموعات فكرية متباينة، ما بين ليبراليين بأشكالهم، وعلمانيين بأشكالهم، وإسلاميين وغيرهم.
والشريعة الإسلامية  وتطبيقها هي القضية التي أصبحت محل حديث الجميع تقريبًا عند الحديث عن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية -التي اكتسحت كأغلبية في الانتخابات البرلمانية-، وما يصحبه من كلام متبادل من الأطراف المتحدِثة. فالبعض ممن يؤيد تطبيق الشريعة، يرى أنه لابد من تطبيقها فور وصول التيار الإسلامي لسدة الحكم، والبعض الآخر يرى أنه لابد أن يكون هناك توافقًا شعبيًا وموافقة بأغلبية من قبل الشعب على تطبيق الشريعة الإسلامية.
أما على الطرف الآخر ممن لا يؤيدون تطبيق الشريعة الإسلامية سواء كان التيار الليبرالي أو العلماني أو غيره، فإنهم ينظرون إلى الشريعة من منظور أنها ستقيد الحريات، وستفرض الدين على المواطنين، ولن تكون هناك حرية للمواطنين في ارتداء ما يشاؤون أو مشاهدة ما يشاؤون، وأن هذه الشريعة الصحراوية التي كانت تصلح منذ أكثر من 1400 عام، لا تصلح لنا الآن في هذا الزمن الذي نعيش فيه، وفي هذا المجتمع المدني الحديث، وإلا تطلب هذا العودة إلى حياة الصحراء والبادية، والارتداد إلى التخلف. وسأشير عن بعض الأسباب التي على ضوئها، تكونت هذه الأفكار في رأس أغلب التيارات الفكرية غير الإسلامية، والتي أعتقد بحاجة لمزيد من البحث؛ لمعرفة الأسباب التي تؤدي إلى تكوين أفكار مثل هذه.
ومنطقة الإشكال لدى كثير من المسلمين بوجه عام، هو عدم معرفة معنى كلمة: “الشريعة الإسلامية“. فتطبيق الشريعة الإسلامية جملة منتشرة لدى جمهرة الإسلاميين، أو المحبين للدين بصورة عامة، من أنهم يريدون تطبيق هذه الشريعة. ولكنها للأسف غير معروفة الأركان لدى أغلب من ينادي بها؛ وهذه مشكلة حقيقية يجب حلها؛ وأرى أن يتم ذلك بالتعرف على أركان وقواعد هذه المنظومة التشريعية من كل نواحيها: الاقتصادية والسياسية والتجارية وغيرها بشيء من التبسيط، وهذا ربما يقع على عاتق الإسلاميين ممن يريدون تطبيق الشريعة، وباستخدام الوسائل المختلفة لإيصال هذا المعنى؛ مع شرح كيف أن الشريعة الإسلامية بالفعل تصلح لأن تُسيّر دولة في القرن الحادي والعشرين، بل تجعلها من دول العالم الأول.
حسنًا ربما من الأهمية بمكان أن أذكر الصورة الذهنية التي يتخيلها أغلب المواطنون في بلدي -مصر-، وفي غالبية أذهان البلدان المسلمة الأخرى -على الأرجح- عن تطبيق الشريعة الإسلامية. فأغلب الناس يتمثل في ذهنه بمجرد ذكر جملة “تطبيق الشريعة الإسلامية“، بأن قوانين العقوبة الخاصة بالسارق والزاني سَتُستَبدل، ويصبح قطع اليد والجلد هما القانونان الجديدان بدلًا من قوانين العقوبة الموجودة كلها!
وقد جربت هذا بنفسي مع صديق لي، فسألته -منذ فترة طويلة نسبيًا- هذا السؤال وقلت له: “ما الذي يتبادر إلى ذهنك بمجرد قول تطبيق الشريعة الإسلامية؟”. سكت قليلًا، ثم أجابني بأن نقطع يد السارق ونجلد الزاني.
وللأسف هذا هو المعنى الوحيد لمفهوم الشريعة، وتطبيق الشريعة في ذهن الغالبية العظمى من الناس، والذي يعكس بالطبع مدى انحصار هذه المنظومة المتكاملة في ذهن الناس في قطع وجلد!
وحقيقة الشريعة الإسلامية الغرّاء أنها غير هذا تمامًا، فحد السرقة هو قطع اليد وحد الزاني الغير متزوج هو الجلد هما والحدود -السبعة الأخرى- بصورة عامة، عقوبات [استثنائية وليست أساسية]، تُطبق على حالات خاصة جدًا في المجتمع، وعلى نطاق ضيق جدًا. والحدود كلها هي الجزء الجنائي فقط من الشريعة الإسلامية وليست الشريعة الإسلامية، والتي بها جزء للتجارة والزراعة والاقتصاد وغيرها. وكنظرة سريعة على العقوبة في الجزء الجنائي من الشريعة، فإنه يلزمه شروط كثيرة في الشخص الذي سأقوم بتطبيق الحد عليه، فالسرقة -كمثال- كي أقوم بتطبيق حدها على السارق وأفصل يده عن باقي ذراعه، فيجب أولًا أن تكون الدولة نفسها بحالة اقتصادية معينة تمكنها من سد حاجات المواطنين الأساسية، وأن توفر الدولة مسكن وعمل ودخل ثابت لكل مواطن فيها، يعينه على حياة كريمة، هذا أولًا. وثانيًا أن تنطبق كل شروط الحد -وهي شروط كثيرة وصعبة جدًا في بعضها- على الشخص، فإن وجِد شبهة في شرط من الشروط وعدم توافرها كاملة في الشخص، سقط الحد عنه، واستُبدلت العقوبة بعقوبة تقررها الدولة، كالسجن مثلًا أو النفي -والتي تسمى التعزير في الفقه-. والبحث قبل كل هذا عن الدافع وراء الشخص كي يقدم على السرقة، فإن كانت حالة إنسانية كمرض، فلا يُنفذ الحد فيه، وإن كان يسرق من أجل ضائقة مالية، فلا ينفذ الحد فيه، بل في هذه الحالة يعطى من خزانة الدولة ما يسد به حاجته، ولا تفرض عليه أي عقوبة. وكذلك لو تاب وأرجع المال إلى صاحبه قبل معرفة السلطات فلا يحاسب أيضًا.
ومن المناسب أن أذكر أنه في ظل 400 عام من حكم دولة الإسلام في الماضي، لم ينفذ حد قطع اليد سوى 6 مرات فقط، أي بمعدل يد كل حوالي 67 عامًا!
وكذلك الحال في عقوبة الزنا، مثلها مثل عقوبة السرقة، فالدولة مسئولة عن تسيير الزواج للشباب في مقتبل العمر؛ بتوفير مساكن وفرص عمل تؤهل الشاب وتساعده كي يستطيع أن يتزوج  في سن مبكرة، وهكذا دواليك في كل الحدود. فتطبيق الحدود إذن ليس أساس كل عقوبة، بل هي عقوبة تحتاج لشروط خاصة جدًا كي يتم تطبيقها، وعند تطبيقها يستحق الشخص المطبقة عليه هذه العقوبة تمامًا، دون أي شبه في أنه ظُلم؛ وذلك لأنه تجنى على المجتمع الآمن وتجاوز الحدود بما يستحق معه حد من هذه الحدود!
وليس المقال هنا لمناقشة قضية الحدود، فالموضوع يحتاج إلى مقال منفصل أو أكثر؛ لمزيد من التوضيح حول هذا الجزء الهام المُلتبس. أما بالنسبة لأسباب اعتراض كثير من التيارات على قضية تطبيق الشريعة بكثير من الأسباب، فكثير من الناس المنتمية لتيارات ليبرالية أو علمانية أو اشتراكية أو غيرها، تكون وجهة نظرها في الغالب عن الشريعة الإسلامية، بأن حكم الدولة الدينية التي تحكم بهذه الشريعة هو حكم استبدادي فردي مطلق، أو أن هذه الشريعة كانت تصلح للصحراء حيث النظام البدوي، أو أنه قانون قديم، لا يستطيع أن يساير القوانين المدنية الحديثة، وأن علينا ألا ننظر لهذا الجزء الذي لا يمت للدين بصلة، بل نحن مسلمون نصلي ونصوم ونحج، ولا حاجة لنا بهذا النظام العتيق. وهذا في الغالب ما يقوله المنتسبين للتيارات الفكرية الأخرى، فإذا استدعيت أي شخص ينتمي لأي تيار فكري، وناقشته في أي جزء من الشريعة الإسلامية، وما هي الأسباب التي يعترض عليها ومن ثم يعترض على تطبيق هذه الشريعة كلها، لكانت الإجابة في الغالب لا شيء موضوعي، وإنما مجرد أسباب وآراء إما مشوهة لا تنتمي للشريعة إطلاقًا سمعها من شخص، أو قرئها في مقال أو في كتاب هنا أو هناك، مثل عودة أسواق النخاسة وبيع العبيد! أو إلزام الناس بلبس الجلباب! أو نتيجة إعلام يصور بلدان يُقال بأنها تُطبق الشريعة، ويرى فيها بعض الممارسات المعينة التي يعتقد بأنه هذه الممارسات لابد وأن تكون دينًا لأي دولة تعتمد تطبيق الشريعة الإسلامية.
وقد يشترك تصور شكل الدولة المعين في ذهن المنتمي لتيار بعينه، والمواطن العادي الذي لا ينتمي لأي تيار. فبمجرد ذكر تطبيق الشريعة، تًستدعى إلى ذهنه دولة في الوطن العربي أو الإسلامي تُطبق الشريعة الإسلامية، ثم يقيس دولته عليها ويتخيل بأن دولته ستتحول إلى دولة مثل هذه الدولة بمجرد تطبيق الشريعة الإسلامية.
وأقرب مثال وأشهره يتبادر إلى الذهن، هي السعودية. فعندما تُذكر الشريعة الإسلامية، تأتي السعودية كمثال لأول دولة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية، وتنهال عليك الاستهجانات بأننا سنتحول مثل المجتمع السعودي، وأن الدولة ستوزع اللحى على الرجال -والسعودية لا تقوم بذلك- وتلزم الحجاب والنقاب على النساء، وبهذا وبالذي سبق من قطع وجلد، نجد أن الشريعة الإسلامية قد طبقت في أذهان الناس!
وهذه الصورة المرسومة في أذهان الناس إنما هي نتيجة لقلة الثقافة الدينية التي هي نتيجة رئيسية لشح القراءة، ونتيجة كذلك لمقابلة نماذج تدّعي بأنها متدينة، وتجد منها تصرفات لا تمت للدين بصلة، كما أنها أيضًا نتيجة مباشرة ومحورية لأفلام التلفاز العربية ومسلسلاتها، حيث تشكل مصدر معرفة أساسي للمواطنين في الوطن العربي، والتي تصور المتدينين الملتحين هؤلاء الذين يريدون تطبيق شرع الله، إما لصوص أو إرهابيين، أو نصابيين، أو متشددين، أو متخلفين عن العصر الذين يعيشون فيه، كما لهم مواصفات خاصة في الملابس وشكلها، ونظرات معينة يرمقون بها كل من يقابلهم، مطلقين لفظ مثل “متبرجة” على كل امرأة لا ترتدي النقاب، كما يظهروهم بأنهم يستعبدون النساء، فهن عندهم كالعبيد لا أكثر! .. لذا فعندما يطالب هذا النوع من المسلمين بتطبيق الشريعة، يعتقد الناس مباشرة بأن وضع الدولة سيكون ذلك الوضع الذي شاهده على الشاشة سابقًا!
وهذه بعض الأسباب الواضحة التي تؤدي إلى تكوين فكرة عن الشريعة الإسلامية كالفكرة التي ذكرتها سابقُا، وبالطبع فإن هذا الهراء لا أساس له في منهج الحكم الإسلامي، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بشكل الدولة الإسلامية المدنية التي تحكمها الشريعة؛ فدولة الشريعة دولة متطورة متقدمة، يُحترم فيها الدين، ويربى فيها أفراده على أسسه، وعلى احترام الآخر من غير المسلمين و إعطائه حقوقه كاملة، وعلى اعتبار كل مسلم فيها هو أخ للمسلم الآخر، كما لا يجبر فيها الناس على الشعائر الدينية، بل هذه الشعائر يجب أن يُربي عليها منذ طفولته؛ حتى يكبر وبه الصدق الحقيقي الذي يجعله يدخل المسجد طواعية في أوقات الصلاة، لا من أجل الخوف من العقاب؛ فينتج بذلك مسلم حقيقي، لا شخص منافق.
وفي دولة الشريعة لا يرتدي الناس القميص -كلمة القميص هي الصحيحة بالنسبة للرجال وليست الجلباب- كزي أوحد؛ لأن الإسلام ببساطة ليس له زيي معين، فعلى مدار أحقاب الدول الإسلامية التي خلت، كانت تدخل إلى الإسلام شعوبًا وأعراقًا مختلفة، لهم زيهم الخاص بهم، فلم يتحول هذا الزي إلى الجلباب في يوم من الأيام، بل ظل كل شعب يرتدي ما يريد من الملابس.
كذلك دولة الشريعة لا يوجد بها أسواق للنخاسة وبيع العبيد، لأن هذا ليس في المنهج الإسلامي إطلاقًا، بل لقد حث الإسلام على عتق الرقيق، وجعل ثواب تحرير الرقبة لوجه الله ثوابًا كبيرًا وعظيمًا، لذا فلا يوجد أسواق نخاسة، إنما الذي كان يُشاهد في المسلسلات والأفلام التي يقال عنها إسلامية، هي ممارسات منحرفة من تجار البشر الذين لا يتقون الله، وليس هناك تشريع في الإسلام يبيح وجود أسواق للنخاسة وبيع للعبيد مطلقًا.
كذلك في دولة الشريعة، لا يوجد تقييد للحريات كما يظن البعض، فعندما تعتمد دولة ما الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، فهناك كثير من التشريعات التي لا تُطبق فورًا، والتي ينبغي أن تأخذ وقتها المناسب، مهما طالت المدة كي يتأقلم الناس على الوضع الجديد. وقس على هذا ما تُحرمه الشريعة، وهو ما ينبغي أن يُزال من المجتمع، ولكن الإزالة ليست بالقوة، بل بالتربية والتوجيه والإرشاد، الذي ينشئ مجتمع كاره لهذه المحرمات، كراهية نابعة من حرمتها الدينية، أي نابعة من أعماق الفرد المؤمن نفسه.
أما جزء صلاحية الشريعة لزمن الصحراء، ونحن الآن في عصر الإنترنت الذي لا تتناسب قوانينه مع زمن الصحراء، فكل زمن متغير ومتطور، تتغير فيه أساليب التعامل ونظمها، فكيف نعتمد قوانين كانت تصلح في الماضي، مع هذا التغير الرهيب الذي حدث عبر هذه القرون؟ وهذا كلام منطقي جدًا وواقعي، ولكن في حالة أنك تعتقد بأن الشريعة قوانين مفصلة بند بند، وشكل الحكم فيها ثابت لا يتغير، وكذلك سياسة المال ثابتة لا يتغير، ولكن الحقيقة غير هذا، فالشريعة الإسلامية وضعت الكليات والأطر العامة في أمور الدولة التي تتطلب التغيير والتبديل مع مرور الزمن، أي أنها لا تتدخل في شكل الحكم مثلًا هل هو رئاسي فقط، أم برلماني أم برلماني رئاسي. بل تضع قواعد عامة في الحكم كالعدل والشورى؛ تاركة لك البقية كي تبدع فيه بالنظام المناسب لزمانك.
الأمر يطول ويحتاج لمزيد من التوضيح، لذا فإن عدة مقالات أخرى ستكون مفيدة في هذا الموضوع الهام.

ذهب عام وجاء عام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا أعلم كيف أبدء التدوينة،
2011 كان عام مليء بالمفاجئات حقًا،
أتت فيه اللحظة التي أنتظرتها طويلًا،
لحظة سقوط مبارك ونظامه، إلى الأبد بإذن الله.
كثيرًا ما كنت أدعو الله بأن يخلصنا من هذا المأزق الذي نعيش فيه في مصر، ولكني لم أكن أعلم كيف يسقط نظام كهذا لديه باع طويل في الحكم، وجذور فساد تضرب في باطن الأرض. ولكنه سبحانه حقق ما لم يكن في حسبان أحد، وخلصنا ليس من مبارك وحده، بل من بن علي، والقذافي، وبشار سيلحق بهم قريبًا بإذن الله، ليكون مصيره هو القتل لا الحبس أو النفي.
هذا العام كان مميز، أشعر بأني أكثر صلابة من ذي قبل، وأشعر بأني قطعت شوطًا في تشكيل الطريق الذي أود السير فيه بقية حياتي،
كانت بداية العام بداية ثورية، أدت إلى كسر الجدول الذي كنت من المفترض أن أسير عليه، وأضعت بضع شهور في الأول إلى أن عدت لترتيب أوراقي مرة أخرى.
حسنًا لن أسترسل في الكلام الآن، بضعة أيام وأضع بإذن الله حصاد 2011، ولكني أدعوكم لمتابعة المدونة غدًا لوضع مقال خاص بحملة سقوط الأندلس.

درس تركيا الذى لم نستوعبه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في ظل ما تموج به مصر هذه الأيام من تقلبات وإختلاف وتصارع خفي وواضح، وجدت هذا المقال للمفكر الإسلامي الأستاذ فهمي هويدي، الذي قام بكتابته لجريدة الشروق اليومية، ونُشر بنفس عنوان هذه التدوينة بتاريخ 9 أغسطس 2011، فأحببت نقله إلى هنا لأهميته ووجهة نظره العميقة.
من مفارقات هذا الزمان وغرائبه أنه فى حين تتقدم تركيا بخطى حثيثة وحاسمة باتجاه إخراج العسكر من السياسة، فإن بعض المثقفين المصريين يتحمسون لإدخالهم فيها.
(1)
أحدث خطى الحسم فى تركيا وقعت فى الأسبوع الماضى. حين أعلن فجأة أن قادة الجيش قدموا استقالاتهم من مناصبهم احتجاجا على ما اعتبروه تدخلا من جانب الحكومة فى شئون القوات المسلحة. الأمر الذى أحدث دويا تردد صداه فى العديد من عواصم الدنيا. أحد أسباب الدوى أن قادة الجيش التركى كانت لهم لغة أخرى فى مخاطبة حكومة أنقرة. فقد كانوا يقيلون ولا يستقيلون، ويوجهون الإنذارات ويطلقون المدرعات فى الشوارع ولا يتخلون عن مناصبهم وينسحبون إلى بيوتهم. هذا المعنى عبر عنه المعلق التركى المعروف جنكيز شاندار بقوله إن الأيام التى كان الجيش يصدر فيها الأوامر ولت. وأن كل من راهن على أن الجيش يمكن أن يسجل نقطة فى الشأن السياسى عليه أن ينسى ذلك، لأن المعادلة اختلفت عما قبل.

لأن المفاجأة كانت كبيرة، فقد راقب الجميع تداعياتها، وقرأتها الأطراف المعنية كل من زاوية حساباته ومصالحه. ورغم أن الحدث يظل شأنا داخليا من وجهة النظر المصرية، إلا أننى وجدت أنه ينبغى أن يقرأ فى القاهرة بعناية شديدة من جانب المعنيين بوضع النظام الجديد للبلاد. لسبب مختلف تماما. ذلك أن ثمة أصواتا ارتفعت فى مصر خلال الأسابيع الأخيرة داعية إلى عسكرة ذلك النظام. وطالبت بالنص فى الدستور على توسيع اختصاصات القوات المسلحة، بحيث تقوم بدور فى حراسة النظام الديمقراطى والدولة المدنية. ومن ثم تحويلها من درع الوطن إلى وصى غير مباشر عليه. ومن حارس لأمنه وحدوده إلى حكم فى السياسة وصانع لها.

(2)
«زلزال أربع نجوم» ــ كان ذلك عنوانا رئيسيا لصحيفة «الصباح» الموالية للحكومة الصادرة يوم السبت 30/7. التى وصفت به الحدث الاستثنائى وغير المسبوق فى التاريخ التركى المعاصر. وبمقتضاه تمت استقالة رئيس الأركان الجنرال آسيك كوشانير، وقادة الأسلحة الأخرى البرية والجوية والبحرية إضافة إلى رئيس الأكاديمية العسكرية من مناصبهم. ولأن رائحة الخلافات بين الحكومة والجيش قد تسربت منذ أكثر من عام. بسبب اتهام بعض كبار الضباط فى مؤامرة للاطاحة بالحكومة فقد سارع المحللون إلى القول بأن تطورات ملف أولئك الضباط هو الذى فجر الأزمة وأوصلها إلى تلك النهاية.

ذكرت التقارير الصحفية أن ثمة 43 جنرالا محبوسين على ذمة قضية المؤامرة، إضافة إلى 165 ضابطا وجنديا. وحبس الجنرالات وتحقيق النيابة العمومية معهم أمر ليس مألوفا فى تركيا، لأن خصوصية وضعهم والهالة التى أحاطت بهم جعلت من الإقدام على خطوة من ذلك القبيل مغامرة تحرص أى حكومة على تجنب الدخول فيها. لذلك فالاتفاق منعقد على أن التوتر فى علاقة الجيش بالحكومة ازداد خلال السنوات الأخيرة، وان كان له وجود منذ تولى حزب العدالة والتنمية للسلطة فى عام 2002. وبدأ فى تقليص نفوذ العسكر الذين كانوا يباشرون وصايتهم على الحكومة من خلال مجلس الأمن القومى بأغلبية العسكريين من أعضائه. ولكن رئيس الوزراء رجب أردوغان استصدر قرارا جعل الأغلبية فيه للمدنيين. الشاهد أن غضب العسكر ظل كامنا وحذرا،، حتى بعد احتجاز الجنرالات وتولى السلطات المدنية استجوابهم. ولكن العلاقة انفجرت مؤخرا حين حل موعد ترقيات ضباط الجيش، وطلبت رئاسة الأركان ترقية بعض الجنرالات المحتجزين بحجة أنه لم تصدر ضدهم أحكام بالإدانة، وهو ما رفضه رئيس الوزراء الذى وجد أن ترقية ضباط متهمين بتدبير انقلاب والاطاحة بالسلطة، أمر غير مستساغ خصوصا أن التهمة جسيمة. ومنظمة «أرجنكون» التى اتهم الجنرالات بالتواطؤ معها أو الضلوع فيها تمثل اخطبوطا خطرا ظل يعبث بالساحة السياسية التركية طوال العقود التى خلت، دون أن تتمكن الحكومات المتعاقبة من وقف أنشطتها أو إجهاض عملياتها.

بعد يومين من إعلان الاستقالة الجماعية (فى 31/7) نشرت صحيفة «حريت» التركية القصة العجيبة التالية: فى عام 2000 اشترت رئاسة الأركان عددا من المواقع الإخبارية الإلكترونية، التى استخدمتها فى وقت لاحق فى نشر الأخبار الكاذبة وشن حملات التضليل التى استهدفت الإساءة إلى سمعة حكومة حزب العدالة والتنمية التى تشكلت فى سنة 2002. واستنادا إلى تلك الأخبار بادر المدعى العام فى المحكمة الدستورية عام 2007 إلى رفع دعوى لحظر الحزب الحاكم بحجة عدائه للعلمانية. واعتبرت المحكمة أن ما بثته المواقع أدلة لا يرقى إليها الشك. فأدانت حزب العدالة فى تهمة معاداة العلمانية، لكنها لم تحظر الحزب. وبعد عامين أميط اللثام عن الفضيحة وانكشف أمر تلك المواقع وعلاقتها بقيادة الأركان. لكن العسكر سارعوا إلى احتواء الموضوع والتستر عليه.

محاولة الانقلاب التى حملت اسم «المطرقة» كان مقدرا لها أن تتم فى عام 2003، أى بعد عام واحد من تولى حزب العدالة والتنمية كانت الأسوأ والأخطر. إذ أثبتت التحقيقات أنها كانت تستهدف إشاعة الفوضى على نحو مفاجئ، بما يؤدى إلى استدعاء الجيش للتدخل بسرعة ومن بين ما كان مدبرا فى هذا الصدد. تفجير بعض المساجد التاريخية فى اسطنبول. وإشعال حرب مع اليونان، واستنفار قوى التطرف العلمانى للخروج فى مظاهرات تدعو إلى إنقاذ البلاد من الانهيار. وهى المخططات التى لم ينكرها الضباط المحتجزون، وان كانوا قد برروها باعتبارها مجرد ترتيبات ومناورة عسكرية لمواجهة الطوارئ، ولم تكن تستهدف القيام بانقلاب فى البلاد.

(3)
من المقولات الشائعة فى أوساط الطبقة السياسية أنه إذا كانت القاعدة أن لكل بلد جيشا فثمة استثناء فى منطقة الشرق الأوسط. ففى تركيا والجزائر هناك جيشان لكل منهما دولة، فالجيش التركى انقذ البلد من الانهيار حين أعلن السلطان وحيد الدين الاستسلام للدول الحليفة فى نهاية الحرب العالمية الأولى

واصبحت البلاد مستباحة للفرنسيين والإنجليز والإيطاليين واليونانيين، ولكن الجنرال مصطفى على رضا قاد حركة للمقاومة السرية نجحت فى التصدى للقوات الأجنبية، حتى أجبرتها على التراجع، مما أدى إلى انسحابها فى عام 1923، فعلا نجم الرجل وتولى رئاسة البلاد منذ ذلك الحين. وحتى وفاته فى سنة 1938. وخلال تلك الفترة ألغى الخلافة العثمانية وحول قبلة البلد من الشرق إلى الغرب مستلهما فى ذلك مختلف قيم المنظومة الغربية وعلى رأسها العلمانية. كما أنه وجه عناية خاصة للجيش الذى دافع عن شرف وكرامة الأمة التركية. ومنذ ذلك الحين تحولت العلمانية إلى عقيدة أقرب إلى الدين، وأصبح الجيش هو القابض على زمام الدنيا.

لأن الدولة العثمانية عرفت نظام «الملل» الذى سمح بتقنين التعددية الدينية واستفادت منه التجربة الغربية فى إفساح المجال للتعددية السياسية، فإن المجتمع التركى لم يستسلم لهيمنة العسكر رغم هالة القداسة التى أحاطت بهم طوال الوقت، وظل يقاوم تلك الهيمنة منذ اجريت أول انتخابات نيابية فى سنة 1950 التى خسر فيها حزب الشعب الذى أسسه الجنرال مصطفى بعدما أصبح أتاتورك (أبو الأتراك) وكان الفوز من نصيب الحزب الديمقراطى.

هذا التطور لم نعرفه فى الجزائر لأسباب يطول شرحها، حيث لايزال الجيش مختطفا السياسة وقابضا على زمام البلد، متكئا فى ذلك على شرعية وإنجاز جبهة التحرير، منذ حصلت الجزائر على الاستقلال فى سنة 1962 وحتى هذه اللحظة.

ما يهمنا فى تتبع مسار التجربة التركية أن النص فى الدستور على أن الجيش هو المؤتمن على سلامة البلاد فى الخارج والداخل، حوله إلى سلطة أعلى من الحكومة تمارس الوصاية على المجتمع، التى مورست باسم حراسة العلمانية والذود عن حياضها. وبهذه الذريعة قام الجيش بثلاثة انقلابات عسكرية فى السنوات 60، 70، 80، كما قام بانقلاب سلمى فى عام 1997، اجبر فيه حكومة البرفيسور نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه ذى التوجه الإسلامى على الاستقالة.

حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فى سنة 2002، وفتح ملف منظمة أرجنكون التى كانت بمثابة الحكومة السرية التى تدير البلاد بالتواطؤ مع غلاة العلمانيين وفى المقدمة منهم بعض القيادات العسكرية، انكشف أمر محاولة الانقلاب التى كان مقررا لها أن تتم فى سنة 2003.إزاء تعدد الانقلابات، وحين تكشف دور بعض القادة العسكريين فى عملية «المطرقة» فإن ذلك أدى إلى تشويه سمعة القوات المسلحة، التى أصبح الدور السياسى الذى تمارسه عقبة فى طريق مسيرة الديمقراطية. إذ حين صوتت الأغلبية لصالح حزب العدالة والتنمية ثم تبين أن بعض العسكر خططوا للانقلاب على الحكومة المنتخبة وحل الحزب الفائز، فمعنى ذلك أن القوات المسلحة لم تصبح طرفا فى الصراع السياسى الداخلى فحسب، وإنما صارت تتحدى الاختيار الشعبى وتسعى إلى مصادرته.

أكثر من ذلك فإن انخراط العسكر فى اللعبة السياسية واستغراقهم فى معارك الداخل، جعلهم يقصرون فى بذل الجهد الواجب للتصدى لهجمات المتمردين الأكراد، الذين كثفوا هجومهم خلال الأشهر الأخيرة. وهو ما ذكره تقرير خدمة «نيويورك تايمز» الذى نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» فى 1/8 منسوبا إلى أحد المسئولين الأتراك.

هذه الخلفية عززت من مركز رئيس الوزراء أردوغان فى سعيه لاستصدار دستور جديد يعيد هيكلة الجيش ويخضعه للسلطة المدنية، بحيث يتحول إلى قوة من المحترفين المعنيين بالشأن العسكرى. والبعيدين عن القيام بأى دور سياسى. حتى أن الحكومة تعد الآن تشريعا جديدا يمنع القوات المسلحة من إصدار أية بيانات سياسية. ما يثير الانتباه فى هذا السياق أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» ذكرت فى 31/8 أن المسئولين الإسرائيليين تابعوا بقلق مسألة استقالة قادة الجيش التركى. ونقلت عن أحد المسئولين قوله إن تلك الخطوة تعنى «سقوط آخر حصن ضد الإسلام فى تركيا»!

(4)
خبرة التجربة التركية ينبغى استيعابها من أكثر من وجه. فإقحام الجيش فى السياسة الداخلية الذى دعت أصوات بعض مثقفينا فى مصر إلى تضمينه فى الدستور ورطة احتاجت تركيا إلى أربعين سنة للخروج منها. والعلمانية التى فرضها أتاتورك ويظن أولئك البعض أنها طوق النجاة وسبيل إلى إقامة المجتمع المدنى المنشود لم تجلب معها الديمقراطية ولم تنقذ المجتمع من هيمنة العسكر، وإنما تحققت آمال الشعب فى ذلك من خلال النضال الديمقراطى بعد مضى نحو 80 عاما من فرض العلمانية على تركيا (أتاتورك مات فى سنة 1938). وبعد استقالة قادة الجيش وتقليم أظافره قرأنا مقالا فى «الشروق» لزميلنا الأستاذ جميل مطر كان عنوانه: «تحقق الحلم وأصبحت تركيا دولة مدنية»، فى إشارة إلى أن الديمقراطية نجحت فيما فشلت فيه العلمانية.

ويسمح لى سياق الاستفادة من التجربة التركية أن أكرر معنى سبقت الإشارة إليه. يهم الجماعات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، خلاصته أن النجاحات التى حققها حزب العدالة والتنمية فى تركيا لم تتوفر له لأنه كان يعظ الناس، وإنما لأنه كان يخدمهم وأنه لم يتوقف عند العناية بعمارة الآخرة، ولكنه اعتبر عمارة الدنيا سبيلا إلى عمارة الآخرة.إن العبر كثيرة، لكن قليلين هم الذين يستوعبون الدروس ويعتبرون.