معركة التقاليد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتاب “معركة التقاليد” واحد من مؤلفات الأستاذ “محمد قطب” العديدة. تتميز مؤلفات محمد قطب بأن لها طابع خاص ومميز، فأسلوبه سلس وتستشعر مدى حبه للدين في رده على من ينكرونه ويهاجمونه ويدعون للادينية والإلحاد، بأسلوب عقلي وعملي وبالأدلة التي تستشعر وتستوثق من مدى قوتها وهي تضحض ادعاءات خصوم الدين والتدين.
الكتاب بصورة عامة يتحدث عن التقاليد. تقاليدنا في الوطن العربي والإسلامي، هل يجب أن نتخلص منها لأنها أصبحت من الماضي السحيق، ونعمل على إستبدالها بتقاليد وعادات جديدة من الغرب لمواكبة التطور؟
يجيب الكتاب عن هذا السؤال في خمسة عناوين رئيسية بخلاف المقدمة. أبدء مع العنوان الأول وهو “جولة مع التاريخ” حيث يلقي المؤلف -حفظه الله- نظرة مبسطة على قارة أوروپا قبل نظرية دارون وبعدها، وأعطاء فكرة مبسطة عن طبيعة النظرية؛ موضحًا كيف استطاعت هذه النظرية تحويل نظرة المجتمع الأوروپي إلى الإنسان من طبيعته الإنسانية الراقية إلى النظر إليه على أنه ذات طبيعة حيوانية في الأساس، وكيف أثرت بصورة مباشرة على نظرة المجتمع للدين والكنيسة. ثم ينتقل للحديث عن الثورة الصناعية كسبب من أسباب ابتعاد ورفض ومهاجمة الناس للدين، كما يتحدث عن نظرية فرويد والتي تقول بأن الجنس هو أصل كل شيء في حياة البشر، والتفسير المادي للتاريخ الذي يقول أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام وكيف أثرت هذه النظريات والعوامل والتي أدت مجتمعة إلى التحرر الجنسي في أوروپا، ويتحدث بالطبع المؤلف عن جزء أساسي في هذا الموضوع وهو إنتقال المرأة من حياة الأسرة إلى حياة العمل وكيف تدرجت لتصل إلى هذا بعد أن كان مكانها هو المنزل وما هي العوامل التي أدت إليه؛ لتصل في نهاية الأمر للمساوة الكاملة مع الرجل بعد أن كان لا يأبه لرأيها ولا يؤخذ به.
ينتهي العنوان الأول لننتقل للعنوان الثاني -وهو أكبرهم- “حقائق وأباطيل“، ويناقش المؤلف تحت هذا العنوان نظرية دارون بصورة تميل للعمق؛ عارضًا رأي عالِم دارويني ملحد هو “جوليان هكسلي” في الإنسان، وكيف يرى هذا العالِم تفرد الإنسان عن الحيوان من حيث تركيبهما و المقاييس التي يتطور على أثرها كل منهما. ثم يتعرض لنظرية التفسير المادي للتاريخ لماركس، والتي تقول بأن تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام !
فكيف للإنسان إن كان تاريخه هو البحث عن الطعام (جل تاريخه) إلا التساوي مع الحيوان في طريقة العيش؟ وكيف له أن يتطور عن الحيوان في الحياة؛ مشيدًا حضارة ضخمة هائلة، ماداما يتفقان في نفس حتمية الحياة؟
يستمر المؤلف -ومازلنا تحت نفس العنوان- في مناقشة بقية النظريات التي حولت المجتمع الأوروپي والغرب لما هو عليه، فيناقش بطريقة مبسطة أسس نظرية “فرويد” التي ترجع الدافع وراء كل شيء لعامل واحد فقط وهو الجنس ! كل شيء في حياتنا نفعله بدافع من هذا العامل -وهو يؤسس  هذه النظرية على قاعدة نظرية دارون التي تقول بحيوانية الإنسان-، فيقوم “محمد قطب” بعرض الأسطورة التي تقوم عليها النظرية -والتي أتركها لكم لتقرئوها من الكتاب-، والقيام بتحليل منطقى وعقلي من داخل النظرية نفسها فيعمل على هدمها ولا يتبقى منها شيء.
التطور الدائم الذي يلغي عنصر الثبات، وتحول الإنسان وتطوره من عصر إلى عصر، ثبات الطبيعة البشرية أم تغيرها، وهل للإنسان دوافع ثابتة على مر العصور؟ أم أنها تتغير بتغير الزمان؟ هذه الأسئلة المهمة التي يتسائل ويدور حولها دائمًا من يفكر في طبيعة النفس البشرية دون أن يجد لها جوابًا، (عليها كلها) يجيب عنها محمد قطب.
بعد المناقشة والإجابة عن الأسئلة السابقة، يذهب الكاتب للحديث عن التطور والعقيدة، الأخلاق والتقاليد، ويقارن نظرة أوروپا لهذه المرتكزات الحياتية في القرن العشرين وتفسيرها لها بناء على نظرية دارون، ويقارنها بالفطرة الإنسانية المزروعة بداخل الإنسان و التي يثبتها التاريخ من أحداثه التي تتكرر.
يعود قطب بعد هذا إلى “جوليان هكسلي” في حديثه عن الإنسان وتفرده بيولوجيًا عن سائر الكائنات، وأن تاريخ تطوره متفرد عن الحيوان أو أي كائن آخر، ويرد من كلام جوليان نفسه على النظرية الداروينية ومن يعتنقها.
فلنكن صرحاء” العنوان الثالث من عناوين الكتاب، وعلى الرُغم من أن هذا الجزء كُتب في الستينات -على الأرجح- إلا أن جزء من وصفه للمجتمع -وليس كله ولله الحمد- ما زال متبقيًا إلى الآن، وهو مظهر الفتيات وطريقة لبسهن وشكله، فالنمط يتفق مع النمط الأوروپي وإن كان قد تحول من الملابس القصيرة إلى الملابس الضيقة، فتغير في الشكل والمضمون واحد، ويعمل على نقض المجتمع في هذه الحقبة، وهذه التجاوزات التي كان لا يُنظر إليها على أنها شيء حرام.
العنوان قبل الأخير “حين نكون مسلمين” يلقي فيها المؤلف الضوء على ملامح المجتمع المسلم المنشود، وكيف لنا أن نحول مجتماعتنا إلى مجتمعات إسلامية، وما هي ملامح الإنسان في تفسير القرآن.
الأخير معنون بـ “وبعد !“، ويتحدث عن أثر الإستعمار في الـمائتي عام الماضية على العالم الإسلامي؛ مرشدًا القارئ لبعبض المؤلفات التي تلقي الضوء على السبب الرئيس في إحتلال الغرب للشرق الإسلامي.
_____________________________________________________
تقييمي للكتاب: 5/5
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: