وكل من يدعو لعلمنة المجتمعات الإسلامية ينظر للدين نظرة أوروپا له، فعندما ثارت أوروپا على الدين بسبب طغيان الكنيسة عبر العصور وقاموا بعزل الدين عن الحياة بصورة كلية، وظهرت نظريات العلمانية والحرية الفردية وامتد آثارها إلى دول الشرق ليصبح لها تابعين ومؤيدين لتطبيقها في الدول الإسلامية، وهذا ظلم مجحف وقياس باطل بين النصرانية والإسلام!ولإهتمامي بالحديث هنا من صفحة الدولة العثمانية عن علاقة الدين بالسياسة في دولة الخلافة، أبدء مع معجبي الصفحة الأعزاء بعرض كتاب “الدين والسياسة، تأصيل ورد شبهات” للدكتور “يوسف القرضاوي”، وهو يعرض بصورة سهلة ومبسطة علاقة الدين الإسلامي بالسياسة، وهل بالفعل هناك جزء من الدين الإسلامي يهتم بجانب سياسة الدولة؟ مع رد لبعض الشبهات التي يقول بها معارضي إقامة الدولة الإسلامية.يقسم الدكتور يوسف الكتاب إلى 5 أبواب،
“الباب الأول” يتحدث فيه عن عن معنى كلمة “الدين” وتعريفها لغة وإصطلاحًا -عند أهل العربية وأهل العلم الشرعي-، والعلاقة بين الدين والإسلام، ثم ينتقل لتعريف كلمة السياسة لغة وإصطلاحًا عند الفقهاء والفلاسفة وعند الساسة الغربيين.
يذكر الكتاب أحد تعريفات السياسة التي ذكرها ويلم روبسون: “إن علم السياسة يقوم على دراسة السلطة في المجتمع، وعلى دراسة أسسها وعملية ممارستها وأهدافها ونتائجها”
“الباب الثاني” ينتقل للحديث عن الإسلام والعلمانية وانكار العلمانيين لفكرة شمول الإسلام واعتباره مثل النصرانية عبارة عن طقوس وشعائر تؤدى في المسجد فقط، فيفصّل بالتعريف بشمول الإسلام وفي قضية فصل الدين عن السياسة، مع مناقشة مقولة: “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين”، وإيضاح التسمية الخاطئة لكلمة “الإسلام السياسي”، حيث أن الإسلام لا يقسم إلى أجزاء سياسي واجتماعي بل هو وحدة واحدة.
“الباب الثالث” ويتحدث عن الدين والدولة في الإسلام مع إعطاء نظرة على شكل الحكم في دولة الإسلام، فيؤكد على أن دولة الإسلام دولة مدنية بمرجعية إسلامية، وليست “دولة ثيوقراطية” تحكم بنظرية الحكم الإلهي، وتتحكم في دنيا الناس باسم الله كدولة الكنيسة في العصور الوسطى. ويذكر دكتور يوسف معنى الدولة الإسلامية في الكلمات: “الحق أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية، ككل الدول المدنية، لا يميزها عن غيرها إلا أن مرجعيتها الشريعة الإسلامية.”
أما عن الحاكم أو الرئيس في الدولة الإسلامية فيقول: “إن الأمام أو الحاكم في الإسلام مجرد فرد عادي من الناس، ليس له عصمة ولا قداسة وكما قال الخليفة الأول -أبي بكر الصديق رضي الله عنه- ‘إني وليت عليكم ولست بخيركم’. وكما قال الخليفة عُمر بن عبد العزيز ‘إنما أنا واحد منكم، غير أن الله تعالى جعلني أثقلكم حملًا’.” “هذا الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجه وأحكام تقيده، وهي أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته بل وضعها له ولغيره المكلفين: رب الناس، ملك الناس، إله الناس”.
فالشعب يحاسب الحاكم إذا أخطأ ويقومه في مقابل السمع والطاعة منهم في حالة صلاحه.
“الباب الرابع” عن العلمانية وهل هي المشكلة للمجتمعات الإسلامية أم هي الحل؟ ويذكر المؤلف في الكتاب الأدلة على عدم توافق العلمانية معى المجتمعات الإسلامية والطعن في الدعوى المسماة العلمانية الإسلامية!
“الباب الخامس” ويعرض لموضوع الأقليات الإسلامية في الدول غير الإسلامية وحقوقهم وواجباتهم ومالهم وما عليهم في هذه الدول.
الكتاب جيد جدًا في مجمله كمدخل لتوضيح علاقة الدين بالسياسة والدولة في الإسلام، إلا أن به بعض الملاحظات الصغيرة التي منها قول الدكتور بأن “جوهر الديمقراطية أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكم يقودها على الرغم من أنفها”. والحقيقة إن إختيار الشعب للحاكم ومحاسبته ومراقبته للحكومة يعد أحد عناصر الديمقراطية ولكن ليس جوهرها، أو على أقل تقدير لا ينفرد هذا العنصر بتكوين جوهرها الذي لا يكون إلا بأن تسند السيادة للشعب الذي يعني حق التشريع أن يكون للشعب والذي يثمر عن قوانين وقواعد وتشريعات يسنها نواب الشعب ولا يسع أحد مخالفتها.

احسن كتاب في وجهت نظري يتكلم عن السياسة و الاسلام هو كتاب الدكتور حاكم المطيؤي حرية او طوفان