أهلًا بك

أهلًا بك عزيزي الزائر في مدونتي المتواضعة، هذه التدوينة المُثبتة تعتبر تبسيط لما تحتويه هذه المدونة، فهنا أعرض لأفكاري و خواطري، ومجموعة من الصور المتنوعة، ومواضيع للنقاش، وبعض المواضيع الأخرى. تجد هنا أيضًا مجموعة من الروابط المفيدة،  ففي (ألبوم الصور) تجد مجموعة من الصور المتنوعة أقوم بتحديثها كل فترة، وفي (نبذة عني) تجد معلومات عني بشيء من التبسيط، وتجد في صفحة (راسلني) بريدي الإلكتروني للمراسلة او لأي تعليق أو إقتراح، و أيضًا توجد في المدونة روابط لمدونات ومواقع اُتابعها اعتبرها مفيدة وأدعوك لزيارتها فبأذن الله ستفيدك .
بجانب هذا تستطيع متابعتي عن طريق قارئ الخلاصات عبر هذا الرابط , قم بوضعه في برنامجك المفضل لقراءة الخلاصات لتحصل على جديد المواضيع .
توجد مدونتي الأخرى التي أتحدث فيها عن البرمجة والگنو/لينُكس حيث تستطيع الوصول لها من الطفرة.
أتمنى لك قضاء وقت مفيد.

فرمانات السلطان عبد الحميد الثاني بخصوص فلسطين

بسم الله الرحمن الرحيم
إن موقف السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله في رفضه لبيع أرض فلسطين
الفرمان الأول: ” إن قبول الذين طُردوا من كل مكان، في الممالك العثمانية سيؤدي في المستقبل إلى تشكيل حكومة موسوية، لذا فإن إجراء هذه المعاملات غير جائز، وبخاصة إن الممالك الشاهانية ليست من قُبيل الأراضي الخالية أو المتروكة، ولما كان من المفروض إرسال هؤلاء إلى أمريكا، لذا فلا يُقبل هؤلاء ولا أمثالهم، بل يجب وضعهم في سفن فورًا لإرسالهم إلى أمريكا، وأن يتخذ مجلس الوزراء  قرار قطعيًا بخصوص تفاصيل هذا الأمر وعرضه علينا، إذ ما الداعي لقبول من طرَدَهم الأوروپيون المتمدنون ولم يقبلوهم في ديارهم. وفضلا عن ذلك فإن هناك دسائس كثيرة، لذا فإن هذا الأمر غير جائز على الإطلاق.
وبناء على ذلك، وحتى لا يبقى هناك أي مجال بعد الآن لأية معروضات أخرى في هذا الخصوص، تُعاد هذه المذكرة للصدارة العظمى لاتخاذ قرار عام في هذا الموضوع“.
الفرمان الثاني: صدر بعد سبعة أيام من الفرمان الأول وكان نصه ” إلى اللجنة العسكرية للمعية السنية: إن قبول هؤلاء الموسويين وإسكانهم وإعطائهم حق المواطنة صار شيء ضار جدًا، فقد يتولد عن هذا في المستقبل مسألة حكومة موسوية. لذا يجب عدم قبولهم، وأن يؤخذ هذا في الحسبان عند عرض المسألة، وأن يُعرض هذا القرار بسرعة هذا اليوم، وأن تُعطى المعلومات للصدار العظمى من السكرتارية الخاصة. “
الفرمان الثالث: بعد يوم واحد من إصدارة الفرمان الثاني، أصدر السلطان هذا الفرمان ” لا يحق لأية دولة أن تعترض على عدم قبولنا الموسيين الذين طردتهم دولة متمدنة [ يقصد السلطان الدولة العثمانية] ولم تقبلهم الدول المتمدنة الأخرى، وهؤلاء الذين يحتجون ويعترضون علينا كان الأحرى بهم الاحتجاج على الدول التي طردتهم ورفضت قبولهم. وبناء عليه فإن هؤلاء الموسيين لو سكنوا أي مكان آخر من أجزاء الإمبراطورية فإنهم سيتسللون إلى فلسطين شيئًا فشيئًا مهما أتُخذت من تدابير، وسيسعون لتشكيل حكومة موسوية بتشجيع وحماية الدول الأوروپية، ولن يعمل هؤلاء في الزراعة أو الفلاحة، بل سيحاولون الإضرار بالأهالي كما فعلوا في البلدان التي طُردوا منها. وما دام هؤلاء كانوا بصدد الهجرة إلى أمريكا، إذن فإن من المناسب أن يهاجروا إلى هناك، ونرى وجوب المذاكرة بشكل مفصل في هذا الموضوع من اللجنة العسكرية “.
التعليمات التي أصدرها تبعًا للفرمانات:
المادة الأولى: “ لابد للموسويين – سواء أكانوا رعايا الدولة العلية أو من الممالك الأجنبية – الذين يذهبون إلى فلسطين من أجل الزيارة أن يحملوا معهم تذكرة مرور – أو جواز سفر – تتضمن صفة وغاية السياحة وتابعية حاملها “.
المادة الثانية: ” على جميع هؤلاء الزوار الموسيين الذين يصلون إلى ولاية بيروت أو إلى أي ميناء من موانئ ولاية القدس الشريف إيداع تذاكرهم مرورهم أو جوازات سفرهم لدى موظف الجوازات، والحصول -مقابل قرش واحد- على تذكرة زيارة أو إقامة مؤقتة لمدة ثلاثة أشهر في فلسطين، ولتيسير تمييز هذه التذاكر عن غيرها يجب أن تكون بلون وشكل مميز، ويجب إبراز هذه التذكرة لموظفي الدولة وللشرطة عند الطلب وفي أثناء السياحة أو الإقامة، ويُخرج بقوة الشرطة أو بوساطة قنصل الحكومة المنتسب إليها كل من يتجاوز هذه الأشهر الثلاثة “.
المادة الثالثة: “ يجب تنظيم قائمة بمندرجات وتواريخ تذاكر الإقامة المؤقتة للزوار الموسيين المذكورة في المادة السابقة، وتنظم هذه القوائم في نهاية كل شهر؛ ليتسنى إخراج الذين يتجاوزون هذه المدة، وكذلك معاقبة الموظفين الذين يتهاونون في هذا الخصوص “.
المادة الرابعة: “ إذا ظهرت في الجداول المنظمة لأمور السياحة والإقامة أي مخالفة لدى الزوار الذين يكملون المدة المسموحة لإقامتهم أو سياحتهم ويتركون أرض فلسطين أن ياتون ميناء بيروت لركوب البواخر أو ينهون مدة إقامتهم، أو الذين يُزوّدون بوثائق المرور ووثائق الإقامة فيجب أتخاذ إجراءات حازمة ضد المخالفين وضد الموظفين المسئولين عن تطبيق هذه التعليمات “.
المراجع: السلطان عبد الحميد الثاني حياته وأحداث عهده، أورخان محمد علي، دار النيل للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة،2008

الإسلاميين وتطبيق الشريعة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم
البدء دائمًا في كتابة مقال، يشكل مشكلة لي في أغلب المقالات؛ فأجد أن أصعب شيء في المقال ربما يكون: “من أين أبدء؟”.
المسلمون في العالم يزداد نسبتهم يومًا بعد يوم ولله الحمد، والحديث عن تطبيق شريعة المسلمين في الحياة والحكم بات شيئًا ضروريًا، خاصة في ظل ثورات الربيع العربي التي اجتاحت العديد من البلدان العربية، والتي أتت بحكم الإسلاميين في البرلمانات والتي ستأتي بإذن الله بالإسلاميين في الرئاسة أيضًا.
الغرض من هذا المقال، هو توضيح شكل النظرة التي ينظر إليها المسلمين في أغلب الدول العربية الإسلامية للشريعة الإسلامية، وكيف هي شكل الدولة التي يُطبق فيها الحكم بالدين من وجهة نظر المواطنين في هذه الدول، و مناقشة أسباب اعتراض التيارات الفكرية غير الإسلامية المختلفة على قضية تطبيق هذه الشريعة.
في البلدان العربية، يحمل المواطنين أيديولوجيات فكرية مختلفة، تؤدي إلى تنظيمهم في مجموعات فكرية متباينة، ما بين ليبراليين بأشكالهم، وعلمانيين بأشكالهم، وإسلاميين وغيرهم.
والشريعة الإسلامية  وتطبيقها هي القضية التي أصبحت محل حديث الجميع تقريبًا عند الحديث عن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية -التي اكتسحت كأغلبية في الانتخابات البرلمانية-، وما يصحبه من كلام متبادل من الأطراف المتحدِثة. فالبعض ممن يؤيد تطبيق الشريعة، يرى أنه لابد من تطبيقها فور وصول التيار الإسلامي لسدة الحكم، والبعض الآخر يرى أنه لابد أن يكون هناك توافقًا شعبيًا وموافقة بأغلبية من قبل الشعب على تطبيق الشريعة الإسلامية.
أما على الطرف الآخر ممن لا يؤيدون تطبيق الشريعة الإسلامية سواء كان التيار الليبرالي أو العلماني أو غيره، فإنهم ينظرون إلى الشريعة من منظور أنها ستقيد الحريات، وستفرض الدين على المواطنين، ولن تكون هناك حرية للمواطنين في ارتداء ما يشاؤون أو مشاهدة ما يشاؤون، وأن هذه الشريعة الصحراوية التي كانت تصلح منذ أكثر من 1400 عام، لا تصلح لنا الآن في هذا الزمن الذي نعيش فيه، وفي هذا المجتمع المدني الحديث، وإلا تطلب هذا العودة إلى حياة الصحراء والبادية، والارتداد إلى التخلف. وسأشير عن بعض الأسباب التي على ضوئها، تكونت هذه الأفكار في رأس أغلب التيارات الفكرية غير الإسلامية، والتي أعتقد بحاجة لمزيد من البحث؛ لمعرفة الأسباب التي تؤدي إلى تكوين أفكار مثل هذه.
ومنطقة الإشكال لدى كثير من المسلمين بوجه عام، هو عدم معرفة معنى كلمة: “الشريعة الإسلامية“. فتطبيق الشريعة الإسلامية جملة منتشرة لدى جمهرة الإسلاميين، أو المحبين للدين بصورة عامة، من أنهم يريدون تطبيق هذه الشريعة. ولكنها للأسف غير معروفة الأركان لدى أغلب من ينادي بها؛ وهذه مشكلة حقيقية يجب حلها؛ وأرى أن يتم ذلك بالتعرف على أركان وقواعد هذه المنظومة التشريعية من كل نواحيها: الاقتصادية والسياسية والتجارية وغيرها بشيء من التبسيط، وهذا ربما يقع على عاتق الإسلاميين ممن يريدون تطبيق الشريعة، وباستخدام الوسائل المختلفة لإيصال هذا المعنى؛ مع شرح كيف أن الشريعة الإسلامية بالفعل تصلح لأن تُسيّر دولة في القرن الحادي والعشرين، بل تجعلها من دول العالم الأول.
حسنًا ربما من الأهمية بمكان أن أذكر الصورة الذهنية التي يتخيلها أغلب المواطنون في بلدي -مصر-، وفي غالبية أذهان البلدان المسلمة الأخرى -على الأرجح- عن تطبيق الشريعة الإسلامية. فأغلب الناس يتمثل في ذهنه بمجرد ذكر جملة “تطبيق الشريعة الإسلامية“، بأن قوانين العقوبة الخاصة بالسارق والزاني سَتُستَبدل، ويصبح قطع اليد والجلد هما القانونان الجديدان بدلًا من قوانين العقوبة الموجودة كلها!
وقد جربت هذا بنفسي مع صديق لي، فسألته -منذ فترة طويلة نسبيًا- هذا السؤال وقلت له: “ما الذي يتبادر إلى ذهنك بمجرد قول تطبيق الشريعة الإسلامية؟”. سكت قليلًا، ثم أجابني بأن نقطع يد السارق ونجلد الزاني.
وللأسف هذا هو المعنى الوحيد لمفهوم الشريعة، وتطبيق الشريعة في ذهن الغالبية العظمى من الناس، والذي يعكس بالطبع مدى انحصار هذه المنظومة المتكاملة في ذهن الناس في قطع وجلد!
وحقيقة الشريعة الإسلامية الغرّاء أنها غير هذا تمامًا، فحد السرقة هو قطع اليد وحد الزاني الغير متزوج هو الجلد هما والحدود -السبعة الأخرى- بصورة عامة، عقوبات [استثنائية وليست أساسية]، تُطبق على حالات خاصة جدًا في المجتمع، وعلى نطاق ضيق جدًا. والحدود كلها هي الجزء الجنائي فقط من الشريعة الإسلامية وليست الشريعة الإسلامية، والتي بها جزء للتجارة والزراعة والاقتصاد وغيرها. وكنظرة سريعة على العقوبة في الجزء الجنائي من الشريعة، فإنه يلزمه شروط كثيرة في الشخص الذي سأقوم بتطبيق الحد عليه، فالسرقة -كمثال- كي أقوم بتطبيق حدها على السارق وأفصل يده عن باقي ذراعه، فيجب أولًا أن تكون الدولة نفسها بحالة اقتصادية معينة تمكنها من سد حاجات المواطنين الأساسية، وأن توفر الدولة مسكن وعمل ودخل ثابت لكل مواطن فيها، يعينه على حياة كريمة، هذا أولًا. وثانيًا أن تنطبق كل شروط الحد -وهي شروط كثيرة وصعبة جدًا في بعضها- على الشخص، فإن وجِد شبهة في شرط من الشروط وعدم توافرها كاملة في الشخص، سقط الحد عنه، واستُبدلت العقوبة بعقوبة تقررها الدولة، كالسجن مثلًا أو النفي -والتي تسمى التعزير في الفقه-. والبحث قبل كل هذا عن الدافع وراء الشخص كي يقدم على السرقة، فإن كانت حالة إنسانية كمرض، فلا يُنفذ الحد فيه، وإن كان يسرق من أجل ضائقة مالية، فلا ينفذ الحد فيه، بل في هذه الحالة يعطى من خزانة الدولة ما يسد به حاجته، ولا تفرض عليه أي عقوبة. وكذلك لو تاب وأرجع المال إلى صاحبه قبل معرفة السلطات فلا يحاسب أيضًا.
ومن المناسب أن أذكر أنه في ظل 400 عام من حكم دولة الإسلام في الماضي، لم ينفذ حد قطع اليد سوى 6 مرات فقط، أي بمعدل يد كل حوالي 67 عامًا!
وكذلك الحال في عقوبة الزنا، مثلها مثل عقوبة السرقة، فالدولة مسئولة عن تسيير الزواج للشباب في مقتبل العمر؛ بتوفير مساكن وفرص عمل تؤهل الشاب وتساعده كي يستطيع أن يتزوج  في سن مبكرة، وهكذا دواليك في كل الحدود. فتطبيق الحدود إذن ليس أساس كل عقوبة، بل هي عقوبة تحتاج لشروط خاصة جدًا كي يتم تطبيقها، وعند تطبيقها يستحق الشخص المطبقة عليه هذه العقوبة تمامًا، دون أي شبه في أنه ظُلم؛ وذلك لأنه تجنى على المجتمع الآمن وتجاوز الحدود بما يستحق معه حد من هذه الحدود!
وليس المقال هنا لمناقشة قضية الحدود، فالموضوع يحتاج إلى مقال منفصل أو أكثر؛ لمزيد من التوضيح حول هذا الجزء الهام المُلتبس. أما بالنسبة لأسباب اعتراض كثير من التيارات على قضية تطبيق الشريعة بكثير من الأسباب، فكثير من الناس المنتمية لتيارات ليبرالية أو علمانية أو اشتراكية أو غيرها، تكون وجهة نظرها في الغالب عن الشريعة الإسلامية، بأن حكم الدولة الدينية التي تحكم بهذه الشريعة هو حكم استبدادي فردي مطلق، أو أن هذه الشريعة كانت تصلح للصحراء حيث النظام البدوي، أو أنه قانون قديم، لا يستطيع أن يساير القوانين المدنية الحديثة، وأن علينا ألا ننظر لهذا الجزء الذي لا يمت للدين بصلة، بل نحن مسلمون نصلي ونصوم ونحج، ولا حاجة لنا بهذا النظام العتيق. وهذا في الغالب ما يقوله المنتسبين للتيارات الفكرية الأخرى، فإذا استدعيت أي شخص ينتمي لأي تيار فكري، وناقشته في أي جزء من الشريعة الإسلامية، وما هي الأسباب التي يعترض عليها ومن ثم يعترض على تطبيق هذه الشريعة كلها، لكانت الإجابة في الغالب لا شيء موضوعي، وإنما مجرد أسباب وآراء إما مشوهة لا تنتمي للشريعة إطلاقًا سمعها من شخص، أو قرئها في مقال أو في كتاب هنا أو هناك، مثل عودة أسواق النخاسة وبيع العبيد! أو إلزام الناس بلبس الجلباب! أو نتيجة إعلام يصور بلدان يُقال بأنها تُطبق الشريعة، ويرى فيها بعض الممارسات المعينة التي يعتقد بأنه هذه الممارسات لابد وأن تكون دينًا لأي دولة تعتمد تطبيق الشريعة الإسلامية.
وقد يشترك تصور شكل الدولة المعين في ذهن المنتمي لتيار بعينه، والمواطن العادي الذي لا ينتمي لأي تيار. فبمجرد ذكر تطبيق الشريعة، تًستدعى إلى ذهنه دولة في الوطن العربي أو الإسلامي تُطبق الشريعة الإسلامية، ثم يقيس دولته عليها ويتخيل بأن دولته ستتحول إلى دولة مثل هذه الدولة بمجرد تطبيق الشريعة الإسلامية.
وأقرب مثال وأشهره يتبادر إلى الذهن، هي السعودية. فعندما تُذكر الشريعة الإسلامية، تأتي السعودية كمثال لأول دولة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية، وتنهال عليك الاستهجانات بأننا سنتحول مثل المجتمع السعودي، وأن الدولة ستوزع اللحى على الرجال -والسعودية لا تقوم بذلك- وتلزم الحجاب والنقاب على النساء، وبهذا وبالذي سبق من قطع وجلد، نجد أن الشريعة الإسلامية قد طبقت في أذهان الناس!
وهذه الصورة المرسومة في أذهان الناس إنما هي نتيجة لقلة الثقافة الدينية التي هي نتيجة رئيسية لشح القراءة، ونتيجة كذلك لمقابلة نماذج تدّعي بأنها متدينة، وتجد منها تصرفات لا تمت للدين بصلة، كما أنها أيضًا نتيجة مباشرة ومحورية لأفلام التلفاز العربية ومسلسلاتها، حيث تشكل مصدر معرفة أساسي للمواطنين في الوطن العربي، والتي تصور المتدينين الملتحين هؤلاء الذين يريدون تطبيق شرع الله، إما لصوص أو إرهابيين، أو نصابيين، أو متشددين، أو متخلفين عن العصر الذين يعيشون فيه، كما لهم مواصفات خاصة في الملابس وشكلها، ونظرات معينة يرمقون بها كل من يقابلهم، مطلقين لفظ مثل “متبرجة” على كل امرأة لا ترتدي النقاب، كما يظهروهم بأنهم يستعبدون النساء، فهن عندهم كالعبيد لا أكثر! .. لذا فعندما يطالب هذا النوع من المسلمين بتطبيق الشريعة، يعتقد الناس مباشرة بأن وضع الدولة سيكون ذلك الوضع الذي شاهده على الشاشة سابقًا!
وهذه بعض الأسباب الواضحة التي تؤدي إلى تكوين فكرة عن الشريعة الإسلامية كالفكرة التي ذكرتها سابقُا، وبالطبع فإن هذا الهراء لا أساس له في منهج الحكم الإسلامي، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بشكل الدولة الإسلامية المدنية التي تحكمها الشريعة؛ فدولة الشريعة دولة متطورة متقدمة، يُحترم فيها الدين، ويربى فيها أفراده على أسسه، وعلى احترام الآخر من غير المسلمين و إعطائه حقوقه كاملة، وعلى اعتبار كل مسلم فيها هو أخ للمسلم الآخر، كما لا يجبر فيها الناس على الشعائر الدينية، بل هذه الشعائر يجب أن يُربي عليها منذ طفولته؛ حتى يكبر وبه الصدق الحقيقي الذي يجعله يدخل المسجد طواعية في أوقات الصلاة، لا من أجل الخوف من العقاب؛ فينتج بذلك مسلم حقيقي، لا شخص منافق.
وفي دولة الشريعة لا يرتدي الناس القميص -كلمة القميص هي الصحيحة بالنسبة للرجال وليست الجلباب- كزي أوحد؛ لأن الإسلام ببساطة ليس له زيي معين، فعلى مدار أحقاب الدول الإسلامية التي خلت، كانت تدخل إلى الإسلام شعوبًا وأعراقًا مختلفة، لهم زيهم الخاص بهم، فلم يتحول هذا الزي إلى الجلباب في يوم من الأيام، بل ظل كل شعب يرتدي ما يريد من الملابس.
كذلك دولة الشريعة لا يوجد بها أسواق للنخاسة وبيع العبيد، لأن هذا ليس في المنهج الإسلامي إطلاقًا، بل لقد حث الإسلام على عتق الرقيق، وجعل ثواب تحرير الرقبة لوجه الله ثوابًا كبيرًا وعظيمًا، لذا فلا يوجد أسواق نخاسة، إنما الذي كان يُشاهد في المسلسلات والأفلام التي يقال عنها إسلامية، هي ممارسات منحرفة من تجار البشر الذين لا يتقون الله، وليس هناك تشريع في الإسلام يبيح وجود أسواق للنخاسة وبيع للعبيد مطلقًا.
كذلك في دولة الشريعة، لا يوجد تقييد للحريات كما يظن البعض، فعندما تعتمد دولة ما الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، فهناك كثير من التشريعات التي لا تُطبق فورًا، والتي ينبغي أن تأخذ وقتها المناسب، مهما طالت المدة كي يتأقلم الناس على الوضع الجديد. وقس على هذا ما تُحرمه الشريعة، وهو ما ينبغي أن يُزال من المجتمع، ولكن الإزالة ليست بالقوة، بل بالتربية والتوجيه والإرشاد، الذي ينشئ مجتمع كاره لهذه المحرمات، كراهية نابعة من حرمتها الدينية، أي نابعة من أعماق الفرد المؤمن نفسه.
أما جزء صلاحية الشريعة لزمن الصحراء، ونحن الآن في عصر الإنترنت الذي لا تتناسب قوانينه مع زمن الصحراء، فكل زمن متغير ومتطور، تتغير فيه أساليب التعامل ونظمها، فكيف نعتمد قوانين كانت تصلح في الماضي، مع هذا التغير الرهيب الذي حدث عبر هذه القرون؟ وهذا كلام منطقي جدًا وواقعي، ولكن في حالة أنك تعتقد بأن الشريعة قوانين مفصلة بند بند، وشكل الحكم فيها ثابت لا يتغير، وكذلك سياسة المال ثابتة لا يتغير، ولكن الحقيقة غير هذا، فالشريعة الإسلامية وضعت الكليات والأطر العامة في أمور الدولة التي تتطلب التغيير والتبديل مع مرور الزمن، أي أنها لا تتدخل في شكل الحكم مثلًا هل هو رئاسي فقط، أم برلماني أم برلماني رئاسي. بل تضع قواعد عامة في الحكم كالعدل والشورى؛ تاركة لك البقية كي تبدع فيه بالنظام المناسب لزمانك.
الأمر يطول ويحتاج لمزيد من التوضيح، لذا فإن عدة مقالات أخرى ستكون مفيدة في هذا الموضوع الهام.

محمد عمارة، عملاق من عمالقة هذا العصر

بسم الله الرحمن الرحيم
محمد عمارة، اسم شهير في عالم المفكريين الإسلاميين، وعلم من أعلام الدفاع عن الإسلام و المنهج الإسلامي في واقعنا المعاصر، وعالِم جليل، ومحقق ثقيل، على دراية واسعة بأعلام الصحوة والمجددين، والشبهات والردود، شارك في العديد من المناظرات الفكرية مع علمانيين؛ مدافعًا عن الإسلام والشريعة الإسلامية، أبرزهم مناظرته مع الدكتور فرج فودة التي أشترك فيها مع الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله-، وانتهوا بانتصار فكري واسع وواضح أمام خصومه.
للدكتور عمارة ما يقرب من 200 مؤلَف، وهو رقم كبير قلما يحصل رجل على قائمة من الأعمال تنسب إليه كهذه القائمة.
عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ومدقق ومحقق ومراجع للكتب، عمل على تحرير ومراجعة مئات من الكتب الإسلامية.
قامت الجزيرة بإنتاج وثائقي عن حياة الرجل، يشرح فيه الرجل قصة بدايته من الصغر مع الإسلام، وملازمته للقراءة منذ الصغر، مرورًا بمراحل حياته المختلفة.
الوثائقي للتحميل من هنا، وللمشاهدة من هنا.

معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ43

بسم الله الرحمن الرحيم
زيارتي السنوية لمعرض الكتاب تمت هذا العام على خير ولله الحمد. في الحقيقة كنت قلق لحدوث اضطرابات يوم الخامس والعشرين من يناير في ذكرى ثورتنا المجيدة؛ تؤدي إلى إغلاق المعرض كما حدث بالعام الماضي مع بداية اندلاع الثورة، ولكن مر اليوم على خير وما زال المعرض قائمًا حتى وقت كتابة هذه السطور.
أسفرت زيارة المعرض -ثلاثة مرات- عن مجموعة من الكتب ورواية، ذات محتوى جيد وذات قيمة شعرت أنها عالية؛ من الإطلاع المسبق على مراجعات لهم على موقع GoodReads.
تنوعت الكتب بين تاريخ عثماني، وعقيدة إسلامية، وكتب لها علاقة بالدين والسياسة والصحوة الإسلامية، وشبهات ورد عليها.
ما دفعني للقراءة في كتب الصحوة الإسلامية، هو رغبتي في التعرف على معنى كلمة الصحوة الإسلامية عن قرب، تاريخها، بدايتها، إرشادات لتقويمها، وأرى أنه من الجيد على كل صحوي أن يقرأ في الكتب التي تعمل على ترشيد الصحوة؛ والتي توجّه الشباب الحماسي نحو الطريق الصحيح، ونحو كيفية التعامل مع الأخطاء التي يقع فيها هذا الشباب من جانب، وكيفية التعامل مع الآخر ذو الأيديولوجيا المختلفة من جانب آخر، خاصة في الفترة الحالية في البلدان التي حدثت فيها ثورات، وأخص هنا مصر العزيزة، حيث أُلاحظ في عدد غير قليل من شباب الصحوة -الذي أعد نفسي منهم ولله الحمد- عدم فهم كيفية التعامل مع المخالف لك في الرأي، أو المتبني أيديولوجية ليبرالية أو علمانية أو اشتراكية أو غيرها، فهذا مهم جدًا في هذا الوقت، الذي وصل فيه التيار الإسلامي إلى سدة الحكم بأغلبية برلمانية كبيرة، وتوقع لرئيس إسلامي بنسبة كبيرة بإذن الله.
كانت الحصيلة كما يلي:البؤساء – ڤيكتور هوجو
حقائق وشبهات حول السنة والشيعة – محمد عمارة
الإسلام والسياسة، الرد على شبهات العلمانيين – محمد عمارة
السلطان عبد الحميد الثاني، آخر السلاطين العثمانيين الكبار – محمد حرب
تهجير الأرمن، الوثائق والحقيقة – يوسف حلاج أوغلو، ترجمة أورخان محمد علي (رحمه الله)
أشواق الحرية، مقاربة للموقف السلفي من الديمقراطية – نواف القديمي
صور وخواطر – علي الطنطاوي
الإسلام في قفص الاتهام – شوقي أبو خليل
حقائق وشبهات حول الحرب الدينية والجهاد والقتال والإرهاب – محمد عمارة
الصحوة الإسلامية، صحوة من أجل الصحوة – عبد الكريم بكار
الصحوة الإسلامية – محمد قطب
الإسلام كبديل عن الأفكار والعقائد المستوردة – محمد قطب
تحولات الفكر والسياسة في التاريخ العثماني، رؤية أحمد جودت باشا في تقريره إلى السلطان عبد الحميد الثاني – ماجدة مخلوف
الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان – محمد عبد الله دراز
المخ ذكر أم أنثى – عمرو شريف، نبيل كامل
التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور – مصطفى حجازي
قيمة الزمن عند العلماء – عبد الفتاح أبو غدة
تاريخ الدولة العثمانية – زين العابدين شمس الدين
النبأ العظيم – محمد عبد الله دراز
بدأت في كتاب “الصحوة الإسلامية” لدكتور بكار ووصلت لنصفه تقريبًا، وهو كتاب قيم إلي الآن يعجبني فيه نظرة دكتور بكار التحليلية العميقة، ومحاولاته حصر مشاكل الصحوة والمبادئ المفقودة لدى أبنائها، أو التي ينبغي التأكيد عليها والتمسك بها كمبادئ وطريقة تعامل مع المجتمع المحيط بك.
البؤساء لفيكتور هوجو هي الرواية الوحيدة التي جلبتها من سمعي القديم لها، دون قراءة مراجعة من أحد الأشخاص أو سماع شخص يتحدث عنها قريبًا، ولكن لا أعتقد بأنها حائزة على كل هذه الشهرة من فراغ.

حصيلة 2011

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله.
مر هذا العام المميز في تاريخ الأمة، بالكثير والكثير من الأحداث الجذرية التي سترسم شكلًا جديدًا للوطن العربي والإسلامي بإذن الله.
عامًا ليس ككل الأعوام. عامًا كتب الله له أن يكون نقطة انتقال من حال إلى حال، حال التضييق والمحاصرة والأقصاء والطرد، إلى حال التخلص من الإستبداد والفساد والقهر المفروض على المواطنين القانطين في الدول التي حدثت بها ثورات.
هذا العام حقق الله فيه دعوتي التي استمرت ما يقرب من عام ونصف أو يزيد قليلًا في كل صلاة، الدعوة التي كنت أتمنى أن تتم دائمًا ومن كل قلبي، ولكني لم أكن أعلم كيف لها أن تتم، وبأي طريقة.
“التخلص من مبارك ونظامه”: كانت هذه دعوتي الدائمة المستمرة في كل صلاة، وفي كل ختمة للقرآن -إن قمت بالدعاء- وفي دعوات صلوات التراويح في رمضان، وفي كل موقف يكون فيه دعاء؛ فكان هو الدعاء الرئيس، ويلحقه بعد ذلك الدعوات الأخرى.
أتم الله لي ما أردته وسقط نظام مبارك -أو قل أغلبه-، وأتم علينا نعمته بمجلس شعب منتخب حقيقي من قبل الشعب؛ أتي بأغلبية إسلامية هي الحاكمة لمصر في الخمسة سنوات القادمة بإذن الله، فاللهم آتم علينا باقي المشوار برئيس منتخب وذهاب لحكم العسكري تمامًا.
تأخرت في كتابة هذه التدوينة عن كل عام، فـ 2011 ليس ككل عام، ولا أعتقد أنه سيكون شبيه بأي عام يأتي على كل مصري أو تونسي أو ليبي، أو أي دولة قامت بها ثورة ولم تكتمل إلى الآن مثل سوريا الحبيبة، واليمن الكريم، فاللهم عجل نصرك يا عظيم، وخلصهم مما هم فيه.
على الرغم من أن ما يقرب من الثلاثة شهور الأولى من هذا العام لم يكن لي هم إلا متابعة الثورة في تونس، ثم انتقالها إلى مصر واستمرارها في ليبيا، إلا أن هذا العام قد أضفت لنفسي إضافات جيدة على الطريق، ولكنها ليست على المستوى الذي كنت أخطط له في بداية العام وقبل أي ثورة، ولكن هذا لا يهم، فإن كان 2011 كله ذهب دون أي إضافة في أي مجال أو دون قراءة أي كتاب، لكنت سعيدًا، فالثورة فقط تكفي هذا العام.
من عادتي في كل شهر أن أقوم بتدوين ماذا فعلت في كل يوم من أيام الشهر في ورقات مطولة، ثم في آخر الشهر أقوم بتلخيص أهم ما قمت بإنجازه وما قرئته من كتب، وأقوم بتدبيس هذه الورقات مع بعضها؛ لتلخص إضافتي لنفسي في هذا الشهر.
وفي نهاية كل عام، أخرج الورقة الأخيرة التي تحوي على تلخيص ما فعلته في كل شهر، وأقوم بتسجيل الإضافات الحقيقية لي في ورقة أخرى لتكون الممثلة للعام، وخلاصة الخلاصة!
لذا ففي هذا العام قمت بحمد الله بالآتي:
1- القرآن الكريم: ختمته 3 مرات فقط مع الحزن :( ، وقمت بحفظ مجموعة من سور القرآن من الجزء الثلاثون وحتى الجزء السادس والعشرون في معهد تابع للأزهر.
2- الكتب والرويات: أول عام أشعر فيه بأني قرأت مجموعة جيدة من الكتب والروايات قمت بكتابة مراجعات لجزء بسيط منها هنا في المدونة؛ حيث بلورت نظرتي ومعرفتي البسيطة لمسائل هامة أتطلع لمعرفة المزيد عنها بإذن الله.
الكتب:
2- حدائق ذات بهجة (مراجعتي الخاصة) – د.عائض القرني
6- الأتراك العثمانيون، تاريخهم وحضارتهم – د.محمد مؤنس عوض
7- نحو ثورة في الفكر الديني – محمد النويهي
8- المشاركة السياسية المعاصرة في ضوء السياسة الشرعية – د.محمد يسري (كتيب)
12- الفكر الليبرالي تحت المجهر – د.محمود الصاوي
13- معركة التقاليد (مراجعتي الخاصة) – محمد قطب
25- إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع – الإمام الشوكاني (رسالة)
27- الشيخ الرئيس رجب طيب أردوغان – شريف تغيان (لم يُكتمل)
28- المصطلحات السياسية والاقتصادية – فتحي شهاب الدين (لم يُكتمل)
30- التعددية الحزبية في ظل الدولة الإسلامية – علي جابر العبد الشارود (لم يُكتمل)
31- ألف باء الليبرالية والشريعة الإسلامية – عادل المعلم (لم يُكتمل)
الروايات والمجموعات القصصية:
3- قمت بفتح صفحة الدولة العثمانية وصفحة محمد قطب على الفيس بوك، حيث يمثل تاريخ الدولة العثمانية بالنسبة لي جانب هام جدًا من تاريخ دولة الإسلام، وهي حقبة لا يعرف عنها أغلب المسلمين شيئًا سوى المعلومات المغلوطة والمشوهة، وأن السلطان العثماني هذا ما كان إلا رجل ليس له هم في الدنيا إلا النساء ومعاشرتهن؛ وهذا نتيجة طبيعية لما يعرضونه في مناهج التعليم المشوهة، وما يعرض على شاشات التلفاز، التي يتخللها تلميحات وإشارات ولقطات من هذه النوعية. وقراءتي عن الحقبة العثمانية من مصادرها الموثوقة المعتمدة على الأرشيف العثماني، وشهادات مستشرقين منصفين في حق الدولة العثمانية، اتضح أن ما يعرض على أنه تاريخ الدولة هذا، مجرد افتراء لا أصل له، وأنها بالفعل دولة عريقة كبيرة، استطاعت حماية الدول العربية والإسلامية من الهجمات الصليبية مدة قرون من الزمان.
أما صفحة محمد قطب، فقد وجدتني مدمن القراءة لمؤلفات الرجل، فبدايتي معه بكتاب “التطور والثبات في حياة البشرية” أجابت لي على أسئلة عديدة كنت أريد لها إجابة، ووضحت لي الطريق وكانت بدايتي للقراءة في الفكر والمنهج الإسلامي، فعمدت إلى عمل بحث عن الرجل على الشبكة، فوجدت أن له مكانته في مجال الكتابات الإسلامية، فهو شقيق الراحل “سيد قطب” رحمه الله، ورمز من رموز الصحوة الإسلامية في مصر والعالم الإسلامي في القرن العشرين، فوجدتني أشعر بأني مدينًا للرجل بنشر تراثه ومقتطفات من كتبه في صفحة على الفيس بوك، ليعرفه من لا يعرفه، ويقرأ له من لم يقرأ له من قبل.
4- قمت بالاستماع مرة أخرى لمحاضرات مسماة بدورة فن القراءة، قمت بوضع تدوينة سابقة عنها، مع تدوين ما أسمعه في نقاط في ملف خارجي؛ للاستفادة الحقيقة منها بعد ذلك.
5- قمت بكتابة مراجعات لأربعة من الكتب ضمن الكتب الموجودة بالأعلى.
6- قمت بنسخ حوالي 40 إسطوانة خاصة بمرشح الرئاسة “حازم صلاح أبو إسماعيل” وتوزيعهم للتعريف بالرجل، الذي أتمنى أن يكون رئيس مصر القادم.
7- شاهدت أفلام وثائقية قليلة، ولكني أدركت بعد ذلك أن هذه الأفلام مهمة، ومشاهدتها تغنيك في بعض الأحيان عن قراءة كتب في مواضيع تكون غير مهتم بالقراءة فيها؛ لتلخص لك المعلومات بشكل جيد، أو تلخص لك سيرة ذاتية لشخصية مهمة قد لا تتوفر لك كتب حولها:
8- في الحقيقة أفخر بهذا العمل الذي أحمد الله أن يسر لي إتمامه، وهو رد دفاعًا عن رجل من أعظم الرجال شأنًا في تاريخ الدولة الإسلامية بأحقابها المختلفة، وهو قريب من قلبي ومن قلوب كثير من المسلمين الذين يعرفونه، وهو السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله؛ فقد كتبت ردًا أُدافع فيه عن حقائق حاول أحد العلمانيين -أعتقد بأنه ملحد أيضًا- تشويهها، وإظهار السلطان بمظهر الرجل الطامع الخائن لدولته، فوفقني الله لكتابة هذا الرد من أجل هذا الرجل الذي لا يعرف الكثير ماذا قدم وحاول لإعادة مجد دولة الخلافة مرة أخرى.
9- أمر تأخر كثيرًا في الحقيقة، ربما لسنوات، مع مقدرتي أن أقوم به في أي من هذه السنوات السابقة، وهو الحصول على شهادة “الرخصة الدولية لقيادة الحاسب” المعروفة باسم  ICDL، مع أن الشهادة في الحقيقة عبارة عن شيء لا يذكر ولا تحصل عليها في بلد كمصر إلا من أجل وضعها في “ملفك” عندما تُقدم على وظيفة جديدة؛ كنوع من الدليل بأنك تستطيع التعامل مع الحاسب بشكل جيد!
ولم أقم باستكمال امتحانات الشهادة كاملة وتبقى جزء منها.
تقريبًا في هذا العام لم أقرب إطلاقًا البيئة الحاسوبية، أو كي أكون صادقًا، أقتربت منها في بضعة أيام على مستوى العام كله، ولست حزينًا لهذا، فالعام كان استثنائيًا والحوادث به كثيرة على المستوى المحلي والعالمي، ولم يكن هناك وقت فعلًا لمتابعة الأحداث والمواقف من جهة، ومتابعة القراءة الحاسوبية الممنهجة التي كنت عازم عليها من جهة أخرى.
ينتهي العام عند السطر الأخير، كملخص لأهم ما فعلته في هذا العام المحوري، والذي أتمنى أن يكون دفعة حقيقة لأوطاننا العربية والإسلامية التي تحررت من نير الإستبداد لعقود طويلة، وبداية لعهود عادلة نُحكم فيها بشريعتنا الإسلامية، وننهض بأمتنا العربية، ونقضي فيها على الفساد والجهل مع مرور الوقت.

لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتاب أكثر من رائع للرائع محمد قطب حفظه الله وشفاه وواحد من مؤلفاته المميزة، يتحدث فيه عن عدة جوانب من مقتضيات “لا إله إلا الله” لا يعلم عنها الكثير من المسلمين شيئًا.
دفع محمد قطب لكتابة هذا الكتاب شعوره بأنه يريد الكتابة أكثر عن معنى “لا إله إلا الله“؛ ليضيف لمؤلفاته السابقة المزيد من التوضيح لهذا المعنى، ولكنه ذكر بأنه هذه الجوانب هي جزء فقط من مقتضيات “لا إله إلا الله” وليست إحاطة كليه في هذه الموجزات البسيطة في هذا الكتاب.
يلقي المؤلف الضوء على هذه الجوانب المختارة من مقتضيات الشهادة أو قل تبعات أو مستلزمات الشهادة، فكثير من المسلمين في وقتنا الحاضر -للأسف- ينطقون الشهادة باللسان فقط، ويغيب عنهم معناها الحقيقي وواجبتها المفروضة عليهم والتي ليست من سبيل التفضل بل هي فروض.
يُقسم محمد قطب الكتاب إلى: المقدمة، ثم “المقتضيات” ويندرج تحتها “سبعة” مقتضياتـ، ثم يعرض للإنحرافات التي طرأت على مفهوم الشهادة “لا إله إلا الله” من ناحية تاريخية، ثم يسرد بعضًا من نواقض الشهادة، ويختم بواجبات الصحوة الإسلامية نحو الشهادة.
يقول محمد قطب في مقدمة الكتاب: “والذي أردت إبرازه في هذه الصفحات أنلا إله إلا الله” لا تنحصر في تلك المجالات التي تعودنا أن نتحدث فيها، سواء مجال الأعتقاد، أو الشعائر التعبدية، أو تحكيم الشريعة، على كل الأهمية التي جعلها الله لهذه المجالات الثلاثة -إذ جعل نقضها أو نقض أي واحد منها نقضًا لأصل لا إله إلا الله- إنما هي كما أنزلها الله شاملة شمولًا حقيقًا لكل مجالات الحياة، ما كبر منها وما صغر، وما بدت صلته ظاهرة بلا إله إله الله، وما خفيت صلته على بعض الناس، أو على كثير من الناس ! وتكفي هذه الآية الكريم وحدها للدلالة على ذلك:
{قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ..}”
ويقول في موضع آخر: “إن الله لم ينزل لا إله إلا الله لتكون كلمة تنطق باللسان. إنما أنزلها؛ لتشكل واقع الكائن البشري كله، لترفعه إلى المكان اللائق به، الذي فضّله الله به على كثير ممن خلق. ترفعه من ثقلة الشهوات اللاصقة بالطين، أو ثقلة الضرورات التي تقهر الإنسان وتكله لطغاة الأرض المتجبرين.
يتطرق بعد ذلك المؤلف بعد الانتهاء من المقدمة إلى صلب موضوع الكتاب وهو الحديث عن مقتضيات الشهادة، والتي قسمها إلى:
- مقتضى إيماني  – مقتضى تعبدي  – مقتضى تشريعي
  – مقتضى أخلاقي  – مقتضى فكري  – مقتضى حضاري  – مقتضى تعبيري
قد يكون المقتضى الإيماني والتعبدي معروفان عند الناس، بل قد يكونا هما المقتضيان الوحيدان اللذان يعتقد الناس بأنهم هم معنى “لا إله إلا الله“، ولا يأتي التفكير في المقتضى التشريعي -تحكيم الشريعة- أو الأخلاق، أو منهج الفكر، أو بناء الحضارة، أو مجموعة البشر تحمل المقتضى التعبيري لتبليغ معنى الشهادة الحقيقي,
يوضح محمد قطب في المقتضى التشريعي أن تحكيم الشريعة مقتضى أساسي ورئيسي في قضية لا إله إلا الله، ويغيب هذا المفهوم عن كثير من الناس، ويرفضه تمامًا أصحاب المذاهب الفكرية -الأيديولوجيات- مثل العلمانية والليبرالية والاشتراكية، حيث يقول قطب في هذا: “قضية التشريع قضية ذات صلة مباشرة بقضية بالألوهية … وهي ليست مرتبطة معها برباط واحد، وإنما برباطين اثنين في آن واحد …” ثم يتسرسل في شرح هذه الجملة وقضية الترشيع وعلاقتها بقضية التوحيد.
أما المقتضى الأخلاقي ففيه يربط فيه قطب الأخلاق بالعقيدة ! وقد يستغرب البعض من هذا الربط، فكل الناس يعتقد بأن الأخلاق ليس لها علاقة بالعقيدة، إنما هي سجية يتمتع بها كل إنسان فاضل بغض النظر عن دينه، ولكن قطب هنا يعرض لقضية ارتباط الأخلاق بالعقيدة الإسلامية؛ من خلال مجموعة من الآيات القرآنية الكريمة والتي منها: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وحديث للرسول صلى الله عليه وسلم، فيذكر حديث: “{أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، و من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر}.
والنفاق قضية متعلقة بالعقيدة، والكذب والغدر وخلف الوعد والفجور قضايا أخلاقية، فكانت صلة الأخلاق بالعقيدة صلة وثيقة وبديهية.”
أما المقتضى الفكري، فتكلم فيه عن ضرورة وضع منهاج فكري لكل مسلم يزن به كل شيء في حياته، يكون نابعًا من الكتاب والسنة، ليكون العالِم المسلم، والطبيب المسلم، والمهندس المسلم والمفكر المسلم. يقول في هذا:
“إن هناك مقتضى فكريًا لـ لا إله إلا الله يجعل المسلم يفكر بمنهج معين، لا يختلط بمناهج التفكير الجاهلي، وإن التقت بعض جزيئات تفكيره مع أفكار غيره، فيما يتعلق بالحقائق العلمية والتجارب المعملية، ولكن المسلم يتناولها بطريقته الخاصة، وبعطيها تفسيرها المستمد من مقررات الكتاب والسنة.

أما العلوم التي تتصل “بالإنسان” .. وتعتمد أساسًا على التصور الذي نتصوره عنه، فالمسلم ينفرد فيها بتصوره الخاص، المستمد من الحقائق المذكورة عن الإنسان في كتاب الله : أنه قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله . وأنه نشأ إنسانًا من أول لحظة، ولم يكن قط حيوانًا ثم تطور.

بهذا المنهج الفكري يتكون لدينا المفكر المسلم والعاِلم المسلم، والأديب المسلم والباحث المسلم .. وقد كان هؤلاء جميعًا موجودين في الأمة الإسلامية بكثافة ملحوظة حين كانت هذه الأمة متمسكة بدينها .. فلمّا غفلت عن دينها قلت كثافتهم حتى كادت تذهب ..
المقتضى الحضاري وتحدث فيه عن ضرورة ومقتضى أساسي من أسس الشهادة، وهو بناء حضارة إسلامية تجمع بين الروح والجسد، متقدمة ماديًا وتكنولوجيًا وروحيًا. يقول حفظه الله:
الحضارة الحقيقة إذن هي التي تعمّر الأرض بمقتضى المنهج الرباني. هي التي تجمع أمر الدنيا والآخرة. أمر الجسد والروح. أمر العمل والعبادة .. هي التي تأخد الإنسان كله، بحسياته ومعنوياته، بنشاط جسده ونشاط عقله ونشاط روحه. بإبداعه في عالم المادة وارتفاعه في عالم القيم .. هي حضارة “الإنسان” في أفقه الأعلى .. يدب على الأرض بقدميه، وقلبه معلق بالسماء ..
وقد كانت كذلك الحضارة الإسلامية حين كانت الأمة في أوجها ..
ما من مجال من مجالات النشاط الخيّر إلا خاضه المسلمون .. بناء المدن. تعبيد الطرق. السياحة في الأرض لكشف مجاهيلها. استغلال ما سخّر الله للناس من طاقات السماء والأرض في البناء والتعمير. التقدم العلمي. التهذيب الخلقي. الصدق. الأمانة. الجد والجلد والمثابرة .. وكل الخصال التي تنشيء أمة عظيمة ..
والمقتضى الأخير وهو المقتضى التعبدي، وفيه تحدث عن ضرورة تكوين طائفة من البشر متفقهين في الدين يدافعون عن الإسلام ممن يجيدون التعبير؛ وذلك كفرض كفاية للأمة : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
بعد الأنتهاء من المقتضيات ينتقل المؤلف شفاه الله إلى الإنحرافات التي طرأت على مفهوم التوحيد، ثم نواقض لا إله إلا الله ويعرضها؛ معتبرًا أن نقض الجانب التعبدي أو العقدي أو التشريعي هو نقض لـ لا إله إلا الله كلها:
يحسب كثير من الناس -بتأثير الفكر الإرجائي- أن لا إله إلا الله إذا قيلت تظل لاصقة بصاحبها عمره كله، لا تسقط عنه مهما قال ومهما فعل، إلا أن يأتي عملًا واحدًا معينًا، وهو أن يعلن بملء فيه أنه كفر بالله ورسوله، وكفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-!!
وذكر في النهاية أن من واجبات الصحوة الإسلامية زرع معنى لا إله إلا الله في قلوب الناس حتى تصبح حقيقة حية في نفوس الأمة.

ذهب عام وجاء عام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا أعلم كيف أبدء التدوينة،
2011 كان عام مليء بالمفاجئات حقًا،
أتت فيه اللحظة التي أنتظرتها طويلًا،
لحظة سقوط مبارك ونظامه، إلى الأبد بإذن الله.
كثيرًا ما كنت أدعو الله بأن يخلصنا من هذا المأزق الذي نعيش فيه في مصر، ولكني لم أكن أعلم كيف يسقط نظام كهذا لديه باع طويل في الحكم، وجذور فساد تضرب في باطن الأرض. ولكنه سبحانه حقق ما لم يكن في حسبان أحد، وخلصنا ليس من مبارك وحده، بل من بن علي، والقذافي، وبشار سيلحق بهم قريبًا بإذن الله، ليكون مصيره هو القتل لا الحبس أو النفي.
هذا العام كان مميز، أشعر بأني أكثر صلابة من ذي قبل، وأشعر بأني قطعت شوطًا في تشكيل الطريق الذي أود السير فيه بقية حياتي،
كانت بداية العام بداية ثورية، أدت إلى كسر الجدول الذي كنت من المفترض أن أسير عليه، وأضعت بضع شهور في الأول إلى أن عدت لترتيب أوراقي مرة أخرى.
حسنًا لن أسترسل في الكلام الآن، بضعة أيام وأضع بإذن الله حصاد 2011، ولكني أدعوكم لمتابعة المدونة غدًا لوضع مقال خاص بحملة سقوط الأندلس.

معركة التقاليد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتاب “معركة التقاليد” واحد من مؤلفات الأستاذ “محمد قطب” العديدة. تتميز مؤلفات محمد قطب بأن لها طابع خاص ومميز، فأسلوبه سلس وتستشعر مدى حبه للدين في رده على من ينكرونه ويهاجمونه ويدعون للادينية والإلحاد، بأسلوب عقلي وعملي وبالأدلة التي تستشعر وتستوثق من مدى قوتها وهي تضحض ادعاءات خصوم الدين والتدين.
الكتاب بصورة عامة يتحدث عن التقاليد. تقاليدنا في الوطن العربي والإسلامي، هل يجب أن نتخلص منها لأنها أصبحت من الماضي السحيق، ونعمل على إستبدالها بتقاليد وعادات جديدة من الغرب لمواكبة التطور؟
يجيب الكتاب عن هذا السؤال في خمسة عناوين رئيسية بخلاف المقدمة. أبدء مع العنوان الأول وهو “جولة مع التاريخ” حيث يلقي المؤلف -حفظه الله- نظرة مبسطة على قارة أوروپا قبل نظرية دارون وبعدها، وأعطاء فكرة مبسطة عن طبيعة النظرية؛ موضحًا كيف استطاعت هذه النظرية تحويل نظرة المجتمع الأوروپي إلى الإنسان من طبيعته الإنسانية الراقية إلى النظر إليه على أنه ذات طبيعة حيوانية في الأساس، وكيف أثرت بصورة مباشرة على نظرة المجتمع للدين والكنيسة. ثم ينتقل للحديث عن الثورة الصناعية كسبب من أسباب ابتعاد ورفض ومهاجمة الناس للدين، كما يتحدث عن نظرية فرويد والتي تقول بأن الجنس هو أصل كل شيء في حياة البشر، والتفسير المادي للتاريخ الذي يقول أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام وكيف أثرت هذه النظريات والعوامل والتي أدت مجتمعة إلى التحرر الجنسي في أوروپا، ويتحدث بالطبع المؤلف عن جزء أساسي في هذا الموضوع وهو إنتقال المرأة من حياة الأسرة إلى حياة العمل وكيف تدرجت لتصل إلى هذا بعد أن كان مكانها هو المنزل وما هي العوامل التي أدت إليه؛ لتصل في نهاية الأمر للمساوة الكاملة مع الرجل بعد أن كان لا يأبه لرأيها ولا يؤخذ به.
ينتهي العنوان الأول لننتقل للعنوان الثاني -وهو أكبرهم- “حقائق وأباطيل“، ويناقش المؤلف تحت هذا العنوان نظرية دارون بصورة تميل للعمق؛ عارضًا رأي عالِم دارويني ملحد هو “جوليان هكسلي” في الإنسان، وكيف يرى هذا العالِم تفرد الإنسان عن الحيوان من حيث تركيبهما و المقاييس التي يتطور على أثرها كل منهما. ثم يتعرض لنظرية التفسير المادي للتاريخ لماركس، والتي تقول بأن تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام !
فكيف للإنسان إن كان تاريخه هو البحث عن الطعام (جل تاريخه) إلا التساوي مع الحيوان في طريقة العيش؟ وكيف له أن يتطور عن الحيوان في الحياة؛ مشيدًا حضارة ضخمة هائلة، ماداما يتفقان في نفس حتمية الحياة؟
يستمر المؤلف -ومازلنا تحت نفس العنوان- في مناقشة بقية النظريات التي حولت المجتمع الأوروپي والغرب لما هو عليه، فيناقش بطريقة مبسطة أسس نظرية “فرويد” التي ترجع الدافع وراء كل شيء لعامل واحد فقط وهو الجنس ! كل شيء في حياتنا نفعله بدافع من هذا العامل -وهو يؤسس  هذه النظرية على قاعدة نظرية دارون التي تقول بحيوانية الإنسان-، فيقوم “محمد قطب” بعرض الأسطورة التي تقوم عليها النظرية -والتي أتركها لكم لتقرئوها من الكتاب-، والقيام بتحليل منطقى وعقلي من داخل النظرية نفسها فيعمل على هدمها ولا يتبقى منها شيء.
التطور الدائم الذي يلغي عنصر الثبات، وتحول الإنسان وتطوره من عصر إلى عصر، ثبات الطبيعة البشرية أم تغيرها، وهل للإنسان دوافع ثابتة على مر العصور؟ أم أنها تتغير بتغير الزمان؟ هذه الأسئلة المهمة التي يتسائل ويدور حولها دائمًا من يفكر في طبيعة النفس البشرية دون أن يجد لها جوابًا، (عليها كلها) يجيب عنها محمد قطب.
بعد المناقشة والإجابة عن الأسئلة السابقة، يذهب الكاتب للحديث عن التطور والعقيدة، الأخلاق والتقاليد، ويقارن نظرة أوروپا لهذه المرتكزات الحياتية في القرن العشرين وتفسيرها لها بناء على نظرية دارون، ويقارنها بالفطرة الإنسانية المزروعة بداخل الإنسان و التي يثبتها التاريخ من أحداثه التي تتكرر.
يعود قطب بعد هذا إلى “جوليان هكسلي” في حديثه عن الإنسان وتفرده بيولوجيًا عن سائر الكائنات، وأن تاريخ تطوره متفرد عن الحيوان أو أي كائن آخر، ويرد من كلام جوليان نفسه على النظرية الداروينية ومن يعتنقها.
فلنكن صرحاء” العنوان الثالث من عناوين الكتاب، وعلى الرُغم من أن هذا الجزء كُتب في الستينات -على الأرجح- إلا أن جزء من وصفه للمجتمع -وليس كله ولله الحمد- ما زال متبقيًا إلى الآن، وهو مظهر الفتيات وطريقة لبسهن وشكله، فالنمط يتفق مع النمط الأوروپي وإن كان قد تحول من الملابس القصيرة إلى الملابس الضيقة، فتغير في الشكل والمضمون واحد، ويعمل على نقض المجتمع في هذه الحقبة، وهذه التجاوزات التي كان لا يُنظر إليها على أنها شيء حرام.
العنوان قبل الأخير “حين نكون مسلمين” يلقي فيها المؤلف الضوء على ملامح المجتمع المسلم المنشود، وكيف لنا أن نحول مجتماعتنا إلى مجتمعات إسلامية، وما هي ملامح الإنسان في تفسير القرآن.
الأخير معنون بـ “وبعد !“، ويتحدث عن أثر الإستعمار في الـمائتي عام الماضية على العالم الإسلامي؛ مرشدًا القارئ لبعبض المؤلفات التي تلقي الضوء على السبب الرئيس في إحتلال الغرب للشرق الإسلامي.
_____________________________________________________
تقييمي للكتاب: 5/5

الدين والسياسة تأصيل ورد شبهات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنظمة الحكم المختلفة عبر العصور هي موضوع دراسة هام من قبل الكثير من الباحثيين في المجال السياسي، فالعوامل التي لها أثر كبير في رسم وصياغة شكل الدولة هي دائمًا نقطة الإرتكاز في أطروحات البحث في هذا المجال.والدين وتأثيره على الحكم يتباين بإختلاف الأديان، فيختلف شكل تأثيره من دين إلى دين، فشكل حكم الكنيسة في الدولة المسيحية في العصور الوسطى يختلف عن شكل حكم الشريعة الإسلامية في الدولة الإسلامية عبر عصورها الكثيرة.والشريعة الإسلامية التي أُنزلت من عند الله سبحانه وتعالى، تشمل الجانب الإقتصادي والإجتماعي والسياسي لإدارة شئون الدولة الإسلامية وتعطي له قواعد تستطيع بناء الفروع عليها كيفما شئت لكن دون الإخلال بهذا القواعد. لذا كان الدين وأثره على سياسة الحكم هو قاعدة البناء التي يتم من خلالها بناء الدولة. وكثر بصورة واسعة الحديث حول الدين والسياسة، وضرورة علمنة المجتمعات الحديثة وفصل الدين عن سياسة الدولة؛ نظرًا لأن الدين إذا أدختله في السياسة فسد! وأفسد حياة الناس!
وكل من يدعو لعلمنة المجتمعات الإسلامية ينظر للدين نظرة أوروپا له، فعندما ثارت أوروپا على الدين بسبب طغيان الكنيسة عبر العصور وقاموا بعزل الدين عن الحياة بصورة كلية، وظهرت نظريات العلمانية والحرية الفردية وامتد آثارها إلى دول الشرق ليصبح لها تابعين ومؤيدين لتطبيقها في الدول الإسلامية، وهذا ظلم مجحف وقياس باطل بين النصرانية والإسلام!ولإهتمامي بالحديث هنا من صفحة الدولة العثمانية عن علاقة الدين بالسياسة في دولة الخلافة، أبدء مع معجبي الصفحة الأعزاء بعرض كتاب “الدين والسياسة، تأصيل ورد شبهات” للدكتور “يوسف القرضاوي”، وهو يعرض بصورة سهلة ومبسطة علاقة الدين الإسلامي بالسياسة، وهل بالفعل هناك جزء من الدين الإسلامي يهتم بجانب سياسة الدولة؟ مع رد لبعض الشبهات التي يقول بها معارضي إقامة الدولة الإسلامية.يقسم الدكتور يوسف الكتاب إلى 5 أبواب،
الباب الأول” يتحدث فيه عن عن معنى كلمة “الدين” وتعريفها لغة وإصطلاحًا -عند أهل العربية وأهل العلم الشرعي-، والعلاقة بين الدين والإسلام، ثم ينتقل لتعريف كلمة السياسة لغة وإصطلاحًا عند الفقهاء والفلاسفة وعند الساسة الغربيين.
يذكر الكتاب أحد تعريفات السياسة التي ذكرها ويلم روبسون: “إن علم السياسة يقوم على دراسة السلطة في المجتمع، وعلى دراسة أسسها وعملية ممارستها وأهدافها ونتائجها”

الباب الثاني” ينتقل للحديث عن الإسلام والعلمانية وانكار العلمانيين لفكرة شمول الإسلام واعتباره مثل النصرانية عبارة عن طقوس وشعائر تؤدى في المسجد فقط، فيفصّل بالتعريف بشمول الإسلام وفي قضية فصل الدين عن السياسة، مع مناقشة مقولة: “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين”، وإيضاح التسمية الخاطئة لكلمة “الإسلام السياسي”، حيث أن الإسلام لا يقسم إلى أجزاء سياسي واجتماعي بل هو وحدة واحدة.

الباب الثالث” ويتحدث عن الدين والدولة في الإسلام مع إعطاء نظرة على شكل الحكم في دولة الإسلام، فيؤكد على أن دولة الإسلام دولة مدنية بمرجعية إسلامية، وليست “دولة ثيوقراطية” تحكم بنظرية الحكم الإلهي، وتتحكم في دنيا الناس باسم الله كدولة الكنيسة في العصور الوسطى. ويذكر دكتور يوسف معنى الدولة الإسلامية في الكلمات: “الحق أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية، ككل الدول المدنية، لا يميزها عن غيرها إلا أن مرجعيتها الشريعة الإسلامية.”
أما عن الحاكم أو الرئيس في الدولة الإسلامية فيقول: “إن الأمام أو الحاكم في الإسلام مجرد فرد عادي من الناس، ليس له عصمة ولا قداسة وكما قال الخليفة الأول -أبي بكر الصديق رضي الله عنه- ‘إني وليت عليكم ولست بخيركم’. وكما قال الخليفة عُمر بن عبد العزيز ‘إنما أنا واحد منكم، غير أن الله تعالى جعلني أثقلكم حملًا’.” “هذا الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجه وأحكام تقيده، وهي أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته بل وضعها له ولغيره المكلفين: رب الناس، ملك الناس، إله الناس”.
فالشعب يحاسب الحاكم إذا أخطأ ويقومه في مقابل السمع والطاعة منهم في حالة صلاحه.

الباب الرابع” عن العلمانية وهل هي المشكلة للمجتمعات الإسلامية أم هي الحل؟ ويذكر المؤلف في الكتاب الأدلة على عدم توافق العلمانية معى المجتمعات الإسلامية والطعن في الدعوى المسماة العلمانية الإسلامية!

الباب الخامس” ويعرض لموضوع الأقليات الإسلامية في الدول غير الإسلامية وحقوقهم وواجباتهم ومالهم وما عليهم في هذه الدول.

الكتاب جيد جدًا في مجمله كمدخل لتوضيح علاقة الدين بالسياسة والدولة في الإسلام، إلا أن به بعض الملاحظات الصغيرة التي منها قول الدكتور بأن “جوهر الديمقراطية أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكم يقودها على الرغم من أنفها”. والحقيقة إن إختيار الشعب للحاكم ومحاسبته ومراقبته للحكومة يعد أحد عناصر الديمقراطية ولكن ليس جوهرها، أو على أقل تقدير لا ينفرد هذا العنصر بتكوين جوهرها الذي لا يكون إلا بأن تسند السيادة للشعب الذي يعني حق التشريع أن يكون للشعب والذي يثمر عن قوانين وقواعد وتشريعات يسنها نواب الشعب ولا يسع أحد مخالفتها.‬

درس تركيا الذى لم نستوعبه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في ظل ما تموج به مصر هذه الأيام من تقلبات وإختلاف وتصارع خفي وواضح، وجدت هذا المقال للمفكر الإسلامي الأستاذ فهمي هويدي، الذي قام بكتابته لجريدة الشروق اليومية، ونُشر بنفس عنوان هذه التدوينة بتاريخ 9 أغسطس 2011، فأحببت نقله إلى هنا لأهميته ووجهة نظره العميقة.
من مفارقات هذا الزمان وغرائبه أنه فى حين تتقدم تركيا بخطى حثيثة وحاسمة باتجاه إخراج العسكر من السياسة، فإن بعض المثقفين المصريين يتحمسون لإدخالهم فيها.
(1)
أحدث خطى الحسم فى تركيا وقعت فى الأسبوع الماضى. حين أعلن فجأة أن قادة الجيش قدموا استقالاتهم من مناصبهم احتجاجا على ما اعتبروه تدخلا من جانب الحكومة فى شئون القوات المسلحة. الأمر الذى أحدث دويا تردد صداه فى العديد من عواصم الدنيا. أحد أسباب الدوى أن قادة الجيش التركى كانت لهم لغة أخرى فى مخاطبة حكومة أنقرة. فقد كانوا يقيلون ولا يستقيلون، ويوجهون الإنذارات ويطلقون المدرعات فى الشوارع ولا يتخلون عن مناصبهم وينسحبون إلى بيوتهم. هذا المعنى عبر عنه المعلق التركى المعروف جنكيز شاندار بقوله إن الأيام التى كان الجيش يصدر فيها الأوامر ولت. وأن كل من راهن على أن الجيش يمكن أن يسجل نقطة فى الشأن السياسى عليه أن ينسى ذلك، لأن المعادلة اختلفت عما قبل.

لأن المفاجأة كانت كبيرة، فقد راقب الجميع تداعياتها، وقرأتها الأطراف المعنية كل من زاوية حساباته ومصالحه. ورغم أن الحدث يظل شأنا داخليا من وجهة النظر المصرية، إلا أننى وجدت أنه ينبغى أن يقرأ فى القاهرة بعناية شديدة من جانب المعنيين بوضع النظام الجديد للبلاد. لسبب مختلف تماما. ذلك أن ثمة أصواتا ارتفعت فى مصر خلال الأسابيع الأخيرة داعية إلى عسكرة ذلك النظام. وطالبت بالنص فى الدستور على توسيع اختصاصات القوات المسلحة، بحيث تقوم بدور فى حراسة النظام الديمقراطى والدولة المدنية. ومن ثم تحويلها من درع الوطن إلى وصى غير مباشر عليه. ومن حارس لأمنه وحدوده إلى حكم فى السياسة وصانع لها.

(2)
«زلزال أربع نجوم» ــ كان ذلك عنوانا رئيسيا لصحيفة «الصباح» الموالية للحكومة الصادرة يوم السبت 30/7. التى وصفت به الحدث الاستثنائى وغير المسبوق فى التاريخ التركى المعاصر. وبمقتضاه تمت استقالة رئيس الأركان الجنرال آسيك كوشانير، وقادة الأسلحة الأخرى البرية والجوية والبحرية إضافة إلى رئيس الأكاديمية العسكرية من مناصبهم. ولأن رائحة الخلافات بين الحكومة والجيش قد تسربت منذ أكثر من عام. بسبب اتهام بعض كبار الضباط فى مؤامرة للاطاحة بالحكومة فقد سارع المحللون إلى القول بأن تطورات ملف أولئك الضباط هو الذى فجر الأزمة وأوصلها إلى تلك النهاية.

ذكرت التقارير الصحفية أن ثمة 43 جنرالا محبوسين على ذمة قضية المؤامرة، إضافة إلى 165 ضابطا وجنديا. وحبس الجنرالات وتحقيق النيابة العمومية معهم أمر ليس مألوفا فى تركيا، لأن خصوصية وضعهم والهالة التى أحاطت بهم جعلت من الإقدام على خطوة من ذلك القبيل مغامرة تحرص أى حكومة على تجنب الدخول فيها. لذلك فالاتفاق منعقد على أن التوتر فى علاقة الجيش بالحكومة ازداد خلال السنوات الأخيرة، وان كان له وجود منذ تولى حزب العدالة والتنمية للسلطة فى عام 2002. وبدأ فى تقليص نفوذ العسكر الذين كانوا يباشرون وصايتهم على الحكومة من خلال مجلس الأمن القومى بأغلبية العسكريين من أعضائه. ولكن رئيس الوزراء رجب أردوغان استصدر قرارا جعل الأغلبية فيه للمدنيين. الشاهد أن غضب العسكر ظل كامنا وحذرا،، حتى بعد احتجاز الجنرالات وتولى السلطات المدنية استجوابهم. ولكن العلاقة انفجرت مؤخرا حين حل موعد ترقيات ضباط الجيش، وطلبت رئاسة الأركان ترقية بعض الجنرالات المحتجزين بحجة أنه لم تصدر ضدهم أحكام بالإدانة، وهو ما رفضه رئيس الوزراء الذى وجد أن ترقية ضباط متهمين بتدبير انقلاب والاطاحة بالسلطة، أمر غير مستساغ خصوصا أن التهمة جسيمة. ومنظمة «أرجنكون» التى اتهم الجنرالات بالتواطؤ معها أو الضلوع فيها تمثل اخطبوطا خطرا ظل يعبث بالساحة السياسية التركية طوال العقود التى خلت، دون أن تتمكن الحكومات المتعاقبة من وقف أنشطتها أو إجهاض عملياتها.

بعد يومين من إعلان الاستقالة الجماعية (فى 31/7) نشرت صحيفة «حريت» التركية القصة العجيبة التالية: فى عام 2000 اشترت رئاسة الأركان عددا من المواقع الإخبارية الإلكترونية، التى استخدمتها فى وقت لاحق فى نشر الأخبار الكاذبة وشن حملات التضليل التى استهدفت الإساءة إلى سمعة حكومة حزب العدالة والتنمية التى تشكلت فى سنة 2002. واستنادا إلى تلك الأخبار بادر المدعى العام فى المحكمة الدستورية عام 2007 إلى رفع دعوى لحظر الحزب الحاكم بحجة عدائه للعلمانية. واعتبرت المحكمة أن ما بثته المواقع أدلة لا يرقى إليها الشك. فأدانت حزب العدالة فى تهمة معاداة العلمانية، لكنها لم تحظر الحزب. وبعد عامين أميط اللثام عن الفضيحة وانكشف أمر تلك المواقع وعلاقتها بقيادة الأركان. لكن العسكر سارعوا إلى احتواء الموضوع والتستر عليه.

محاولة الانقلاب التى حملت اسم «المطرقة» كان مقدرا لها أن تتم فى عام 2003، أى بعد عام واحد من تولى حزب العدالة والتنمية كانت الأسوأ والأخطر. إذ أثبتت التحقيقات أنها كانت تستهدف إشاعة الفوضى على نحو مفاجئ، بما يؤدى إلى استدعاء الجيش للتدخل بسرعة ومن بين ما كان مدبرا فى هذا الصدد. تفجير بعض المساجد التاريخية فى اسطنبول. وإشعال حرب مع اليونان، واستنفار قوى التطرف العلمانى للخروج فى مظاهرات تدعو إلى إنقاذ البلاد من الانهيار. وهى المخططات التى لم ينكرها الضباط المحتجزون، وان كانوا قد برروها باعتبارها مجرد ترتيبات ومناورة عسكرية لمواجهة الطوارئ، ولم تكن تستهدف القيام بانقلاب فى البلاد.

(3)
من المقولات الشائعة فى أوساط الطبقة السياسية أنه إذا كانت القاعدة أن لكل بلد جيشا فثمة استثناء فى منطقة الشرق الأوسط. ففى تركيا والجزائر هناك جيشان لكل منهما دولة، فالجيش التركى انقذ البلد من الانهيار حين أعلن السلطان وحيد الدين الاستسلام للدول الحليفة فى نهاية الحرب العالمية الأولى

واصبحت البلاد مستباحة للفرنسيين والإنجليز والإيطاليين واليونانيين، ولكن الجنرال مصطفى على رضا قاد حركة للمقاومة السرية نجحت فى التصدى للقوات الأجنبية، حتى أجبرتها على التراجع، مما أدى إلى انسحابها فى عام 1923، فعلا نجم الرجل وتولى رئاسة البلاد منذ ذلك الحين. وحتى وفاته فى سنة 1938. وخلال تلك الفترة ألغى الخلافة العثمانية وحول قبلة البلد من الشرق إلى الغرب مستلهما فى ذلك مختلف قيم المنظومة الغربية وعلى رأسها العلمانية. كما أنه وجه عناية خاصة للجيش الذى دافع عن شرف وكرامة الأمة التركية. ومنذ ذلك الحين تحولت العلمانية إلى عقيدة أقرب إلى الدين، وأصبح الجيش هو القابض على زمام الدنيا.

لأن الدولة العثمانية عرفت نظام «الملل» الذى سمح بتقنين التعددية الدينية واستفادت منه التجربة الغربية فى إفساح المجال للتعددية السياسية، فإن المجتمع التركى لم يستسلم لهيمنة العسكر رغم هالة القداسة التى أحاطت بهم طوال الوقت، وظل يقاوم تلك الهيمنة منذ اجريت أول انتخابات نيابية فى سنة 1950 التى خسر فيها حزب الشعب الذى أسسه الجنرال مصطفى بعدما أصبح أتاتورك (أبو الأتراك) وكان الفوز من نصيب الحزب الديمقراطى.

هذا التطور لم نعرفه فى الجزائر لأسباب يطول شرحها، حيث لايزال الجيش مختطفا السياسة وقابضا على زمام البلد، متكئا فى ذلك على شرعية وإنجاز جبهة التحرير، منذ حصلت الجزائر على الاستقلال فى سنة 1962 وحتى هذه اللحظة.

ما يهمنا فى تتبع مسار التجربة التركية أن النص فى الدستور على أن الجيش هو المؤتمن على سلامة البلاد فى الخارج والداخل، حوله إلى سلطة أعلى من الحكومة تمارس الوصاية على المجتمع، التى مورست باسم حراسة العلمانية والذود عن حياضها. وبهذه الذريعة قام الجيش بثلاثة انقلابات عسكرية فى السنوات 60، 70، 80، كما قام بانقلاب سلمى فى عام 1997، اجبر فيه حكومة البرفيسور نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه ذى التوجه الإسلامى على الاستقالة.

حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فى سنة 2002، وفتح ملف منظمة أرجنكون التى كانت بمثابة الحكومة السرية التى تدير البلاد بالتواطؤ مع غلاة العلمانيين وفى المقدمة منهم بعض القيادات العسكرية، انكشف أمر محاولة الانقلاب التى كان مقررا لها أن تتم فى سنة 2003.إزاء تعدد الانقلابات، وحين تكشف دور بعض القادة العسكريين فى عملية «المطرقة» فإن ذلك أدى إلى تشويه سمعة القوات المسلحة، التى أصبح الدور السياسى الذى تمارسه عقبة فى طريق مسيرة الديمقراطية. إذ حين صوتت الأغلبية لصالح حزب العدالة والتنمية ثم تبين أن بعض العسكر خططوا للانقلاب على الحكومة المنتخبة وحل الحزب الفائز، فمعنى ذلك أن القوات المسلحة لم تصبح طرفا فى الصراع السياسى الداخلى فحسب، وإنما صارت تتحدى الاختيار الشعبى وتسعى إلى مصادرته.

أكثر من ذلك فإن انخراط العسكر فى اللعبة السياسية واستغراقهم فى معارك الداخل، جعلهم يقصرون فى بذل الجهد الواجب للتصدى لهجمات المتمردين الأكراد، الذين كثفوا هجومهم خلال الأشهر الأخيرة. وهو ما ذكره تقرير خدمة «نيويورك تايمز» الذى نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» فى 1/8 منسوبا إلى أحد المسئولين الأتراك.

هذه الخلفية عززت من مركز رئيس الوزراء أردوغان فى سعيه لاستصدار دستور جديد يعيد هيكلة الجيش ويخضعه للسلطة المدنية، بحيث يتحول إلى قوة من المحترفين المعنيين بالشأن العسكرى. والبعيدين عن القيام بأى دور سياسى. حتى أن الحكومة تعد الآن تشريعا جديدا يمنع القوات المسلحة من إصدار أية بيانات سياسية. ما يثير الانتباه فى هذا السياق أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» ذكرت فى 31/8 أن المسئولين الإسرائيليين تابعوا بقلق مسألة استقالة قادة الجيش التركى. ونقلت عن أحد المسئولين قوله إن تلك الخطوة تعنى «سقوط آخر حصن ضد الإسلام فى تركيا»!

(4)
خبرة التجربة التركية ينبغى استيعابها من أكثر من وجه. فإقحام الجيش فى السياسة الداخلية الذى دعت أصوات بعض مثقفينا فى مصر إلى تضمينه فى الدستور ورطة احتاجت تركيا إلى أربعين سنة للخروج منها. والعلمانية التى فرضها أتاتورك ويظن أولئك البعض أنها طوق النجاة وسبيل إلى إقامة المجتمع المدنى المنشود لم تجلب معها الديمقراطية ولم تنقذ المجتمع من هيمنة العسكر، وإنما تحققت آمال الشعب فى ذلك من خلال النضال الديمقراطى بعد مضى نحو 80 عاما من فرض العلمانية على تركيا (أتاتورك مات فى سنة 1938). وبعد استقالة قادة الجيش وتقليم أظافره قرأنا مقالا فى «الشروق» لزميلنا الأستاذ جميل مطر كان عنوانه: «تحقق الحلم وأصبحت تركيا دولة مدنية»، فى إشارة إلى أن الديمقراطية نجحت فيما فشلت فيه العلمانية.

ويسمح لى سياق الاستفادة من التجربة التركية أن أكرر معنى سبقت الإشارة إليه. يهم الجماعات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، خلاصته أن النجاحات التى حققها حزب العدالة والتنمية فى تركيا لم تتوفر له لأنه كان يعظ الناس، وإنما لأنه كان يخدمهم وأنه لم يتوقف عند العناية بعمارة الآخرة، ولكنه اعتبر عمارة الدنيا سبيلا إلى عمارة الآخرة.إن العبر كثيرة، لكن قليلين هم الذين يستوعبون الدروس ويعتبرون.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 280 other followers