مَغرَبي

أهلًا بك

أهلًا بك عزيزي الزائر في مدونتي المتواضعة، هذه التدوينة المُثبتة تعتبر تبسيط لما تحتويه هذه المدونة، فهنا أعرض لأفكاري و خواطري، ومجموعة من الصور المتنوعة، ومواضيع للنقاش، وبعض المواضيع الأخرى. تجد هنا أيضًا مجموعة من الروابط المفيدة،  ففي (ألبوم الصور) تجد مجموعة من الصور المتنوعة أقوم بتحديثها كل فترة، وفي (نبذة عني) تجد معلومات عني بشيء من التبسيط، وتجد في صفحة (راسلني) بريدي الإلكتروني للمراسلة او لأي تعليق أو إقتراح، و أيضًا توجد في المدونة روابط لمدونات ومواقع اُتابعها اعتبرها مفيدة وأدعوك لزيارتها فبأذن الله ستفيدك .
بجانب هذا تستطيع متابعتي عن طريق قارئ الخلاصات عبر هذا الرابط , قم بوضعه في برنامجك المفضل لقراءة الخلاصات لتحصل على جديد المواضيع .
توجد مدونتي الأخرى التي أتحدث فيها عن البرمجة والگنو/لينُكس حيث تستطيع الوصول لها من الطفرة.
أتمنى لك قضاء وقت مفيد.

لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتاب أكثر من رائع للرائع محمد قطب حفظه الله وشفاه وواحد من مؤلفاته المميزة، يتحدث فيه عن عدة جوانب من مقتضيات “لا إله إلا الله” لا يعلم عنها الكثير من المسلمين شيئًا.
دفع محمد قطب لكتابة هذا الكتاب شعوره بأنه يريد الكتابة أكثر عن معنى “لا إله إلا الله“؛ ليضيف لمؤلفاته السابقة المزيد من التوضيح لهذا المعنى، ولكنه ذكر بأنه هذه الجوانب هي جزء فقط من مقتضيات “لا إله إلا الله” وليست إحاطة كليه في هذه الموجزات البسيطة في هذا الكتاب.
يلقي المؤلف الضوء على هذه الجوانب المختارة من مقتضيات الشهادة أو قل تبعات أو مستلزمات الشهادة، فكثير من المسلمين في وقتنا الحاضر -للأسف- ينطقون الشهادة باللسان فقط، ويغيب عنهم معناها الحقيقي وواجبتها المفروضة عليهم والتي ليست من سبيل التفضل بل هي فروض.
يُقسم محمد قطب الكتاب إلى: المقدمة، ثم “المقتضيات” ويندرج تحتها “سبعة” مقتضياتـ، ثم يعرض للإنحرافات التي طرأت على مفهوم الشهادة “لا إله إلا الله” من ناحية تاريخية، ثم يسرد بعضًا من نواقض الشهادة، ويختم بواجبات الصحوة الإسلامية نحو الشهادة.
يقول محمد قطب في مقدمة الكتاب: “والذي أردت إبرازه في هذه الصفحات أنلا إله إلا الله” لا تنحصر في تلك المجالات التي تعودنا أن نتحدث فيها، سواء مجال الأعتقاد، أو الشعائر التعبدية، أو تحكيم الشريعة، على كل الأهمية التي جعلها الله لهذه المجالات الثلاثة -إذ جعل نقضها أو نقض أي واحد منها نقضًا لأصل لا إله إلا الله- إنما هي كما أنزلها الله شاملة شمولًا حقيقًا لكل مجالات الحياة، ما كبر منها وما صغر، وما بدت صلته ظاهرة بلا إله إله الله، وما خفيت صلته على بعض الناس، أو على كثير من الناس ! وتكفي هذه الآية الكريم وحدها للدلالة على ذلك:
{قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ..}”
ويقول في موضع آخر: “إن الله لم ينزل لا إله إلا الله لتكون كلمة تنطق باللسان. إنما أنزلها؛ لتشكل واقع الكائن البشري كله، لترفعه إلى المكان اللائق به، الذي فضّله الله به على كثير ممن خلق. ترفعه من ثقلة الشهوات اللاصقة بالطين، أو ثقلة الضرورات التي تقهر الإنسان وتكله لطغاة الأرض المتجبرين.
يتطرق بعد ذلك المؤلف بعد الانتهاء من المقدمة إلى صلب موضوع الكتاب وهو الحديث عن مقتضيات الشهادة، والتي قسمها إلى:
- مقتضى إيماني  – مقتضى تعبدي  – مقتضى تشريعي
  – مقتضى أخلاقي  – مقتضى فكري  – مقتضى حضاري  – مقتضى تعبيري
قد يكون المقتضى الإيماني والتعبدي معروفان عند الناس، بل قد يكونا هما المقتضيان الوحيدان اللذان يعتقد الناس بأنهم هم معنى “لا إله إلا الله“، ولا يأتي التفكير في المقتضى التشريعي -تحكيم الشريعة- أو الأخلاق، أو منهج الفكر، أو بناء الحضارة، أو مجموعة البشر تحمل المقتضى التعبيري لتبليغ معنى الشهادة الحقيقي,
يوضح محمد قطب في المقتضى التشريعي أن تحكيم الشريعة مقتضى أساسي ورئيسي في قضية لا إله إلا الله، ويغيب هذا المفهوم عن كثير من الناس، ويرفضه تمامًا أصحاب المذاهب الفكرية -الأيديولوجيات- مثل العلمانية والليبرالية والاشتراكية، حيث يقول قطب في هذا: “قضية التشريع قضية ذات صلة مباشرة بقضية بالألوهية … وهي ليست مرتبطة معها برباط واحد، وإنما برباطين اثنين في آن واحد …” ثم يتسرسل في شرح هذه الجملة وقضية الترشيع وعلاقتها بقضية التوحيد.
أما المقتضى الأخلاقي ففيه يربط فيه قطب الأخلاق بالعقيدة ! وقد يستغرب البعض من هذا الربط، فكل الناس يعتقد بأن الأخلاق ليس لها علاقة بالعقيدة، إنما هي سجية يتمتع بها كل إنسان فاضل بغض النظر عن دينه، ولكن قطب هنا يعرض لقضية ارتباط الأخلاق بالعقيدة الإسلامية؛ من خلال مجموعة من الآيات القرآنية الكريمة والتي منها: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وحديث للرسول صلى الله عليه وسلم، فيذكر حديث: “{أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، و من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر}.
والنفاق قضية متعلقة بالعقيدة، والكذب والغدر وخلف الوعد والفجور قضايا أخلاقية، فكانت صلة الأخلاق بالعقيدة صلة وثيقة وبديهية.”
أما المقتضى الفكري، فتكلم فيه عن ضرورة وضع منهاج فكري لكل مسلم يزن به كل شيء في حياته، يكون نابعًا من الكتاب والسنة، ليكون العالِم المسلم، والطبيب المسلم، والمهندس المسلم والمفكر المسلم. يقول في هذا:
“إن هناك مقتضى فكريًا لـ لا إله إلا الله يجعل المسلم يفكر بمنهج معين، لا يختلط بمناهج التفكير الجاهلي، وإن التقت بعض جزيئات تفكيره مع أفكار غيره، فيما يتعلق بالحقائق العلمية والتجارب المعملية، ولكن المسلم يتناولها بطريقته الخاصة، وبعطيها تفسيرها المستمد من مقررات الكتاب والسنة.

أما العلوم التي تتصل “بالإنسان” .. وتعتمد أساسًا على التصور الذي نتصوره عنه، فالمسلم ينفرد فيها بتصوره الخاص، المستمد من الحقائق المذكورة عن الإنسان في كتاب الله : أنه قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله . وأنه نشأ إنسانًا من أول لحظة، ولم يكن قط حيوانًا ثم تطور.

بهذا المنهج الفكري يتكون لدينا المفكر المسلم والعاِلم المسلم، والأديب المسلم والباحث المسلم .. وقد كان هؤلاء جميعًا موجودين في الأمة الإسلامية بكثافة ملحوظة حين كانت هذه الأمة متمسكة بدينها .. فلمّا غفلت عن دينها قلت كثافتهم حتى كادت تذهب ..
المقتضى الحضاري وتحدث فيه عن ضرورة ومقتضى أساسي من أسس الشهادة، وهو بناء حضارة إسلامية تجمع بين الروح والجسد، متقدمة ماديًا وتكنولوجيًا وروحيًا. يقول حفظه الله:
الحضارة الحقيقة إذن هي التي تعمّر الأرض بمقتضى المنهج الرباني. هي التي تجمع أمر الدنيا والآخرة. أمر الجسد والروح. أمر العمل والعبادة .. هي التي تأخد الإنسان كله، بحسياته ومعنوياته، بنشاط جسده ونشاط عقله ونشاط روحه. بإبداعه في عالم المادة وارتفاعه في عالم القيم .. هي حضارة “الإنسان” في أفقه الأعلى .. يدب على الأرض بقدميه، وقلبه معلق بالسماء ..
وقد كانت كذلك الحضارة الإسلامية حين كانت الأمة في أوجها ..
ما من مجال من مجالات النشاط الخيّر إلا خاضه المسلمون .. بناء المدن. تعبيد الطرق. السياحة في الأرض لكشف مجاهيلها. استغلال ما سخّر الله للناس من طاقات السماء والأرض في البناء والتعمير. التقدم العلمي. التهذيب الخلقي. الصدق. الأمانة. الجد والجلد والمثابرة .. وكل الخصال التي تنشيء أمة عظيمة ..
والمقتضى الأخير وهو المقتضى التعبدي، وفيه تحدث عن ضرورة تكوين طائفة من البشر متفقهين في الدين يدافعون عن الإسلام ممن يجيدون التعبير؛ وذلك كفرض كفاية للأمة : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
بعد الأنتهاء من المقتضيات ينتقل المؤلف شفاه الله إلى الإنحرافات التي طرأت على مفهوم التوحيد، ثم نواقض لا إله إلا الله ويعرضها؛ معتبرًا أن نقض الجانب التعبدي أو العقدي أو التشريعي هو نقض لـ لا إله إلا الله كلها:
يحسب كثير من الناس -بتأثير الفكر الإرجائي- أن لا إله إلا الله إذا قيلت تظل لاصقة بصاحبها عمره كله، لا تسقط عنه مهما قال ومهما فعل، إلا أن يأتي عملًا واحدًا معينًا، وهو أن يعلن بملء فيه أنه كفر بالله ورسوله، وكفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-!!
وذكر في النهاية أن من واجبات الصحوة الإسلامية زرع معنى لا إله إلا الله في قلوب الناس حتى تصبح حقيقة حية في نفوس الأمة.

ذهب عام وجاء عام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا أعلم كيف أبدء التدوينة،
2011 كان عام مليء بالمفاجئات حقًا،
أتت فيه اللحظة التي أنتظرتها طويلًا،
لحظة سقوط مبارك ونظامه، إلى الأبد بإذن الله.
كثيرًا ما كنت أدعو الله بأن يخلصنا من هذا المأزق الذي نعيش فيه في مصر، ولكني لم أكن أعلم كيف يسقط نظام كهذا لديه باع طويل في الحكم، وجذور فساد تضرب في باطن الأرض. ولكنه سبحانه حقق ما لم يكن في حسبان أحد، وخلصنا ليس من مبارك وحده، بل من بن علي، والقذافي، وبشار سيلحق بهم قريبًا بإذن الله، ليكون مصيره هو القتل لا الحبس أو النفي.
هذا العام كان مميز، أشعر بأني أكثر صلابة من ذي قبل، وأشعر بأني قطعت شوطًا في تشكيل الطريق الذي أود السير فيه بقية حياتي،
كانت بداية العام بداية ثورية، أدت إلى كسر الجدول الذي كنت من المفترض أن أسير عليه، وأضعت بضع شهور في الأول إلى أن عدت لترتيب أوراقي مرة أخرى.
حسنًا لن أسترسل في الكلام الآن، بضعة أيام وأضع بإذن الله حصاد 2011، ولكني أدعوكم لمتابعة المدونة غدًا لوضع مقال خاص بحملة سقوط الأندلس.

معركة التقاليد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتاب “معركة التقاليد” واحد من مؤلفات الأستاذ “محمد قطب” العديدة. تتميز مؤلفات محمد قطب بأن لها طابع خاص ومميز، فأسلوبه سلس وتستشعر مدى حبه للدين في رده على من ينكرونه ويهاجمونه ويدعون للادينية والإلحاد، بأسلوب عقلي وعملي وبالأدلة التي تستشعر وتستوثق من مدى قوتها وهي تضحض ادعاءات خصوم الدين والتدين.
الكتاب بصورة عامة يتحدث عن التقاليد. تقاليدنا في الوطن العربي والإسلامي، هل يجب أن نتخلص منها لأنها أصبحت من الماضي السحيق، ونعمل على إستبدالها بتقاليد وعادات جديدة من الغرب لمواكبة التطور؟
يجيب الكتاب عن هذا السؤال في خمسة عناوين رئيسية بخلاف المقدمة. أبدء مع العنوان الأول وهو “جولة مع التاريخ” حيث يلقي المؤلف -حفظه الله- نظرة مبسطة على قارة أوروپا قبل نظرية دارون وبعدها، وأعطاء فكرة مبسطة عن طبيعة النظرية؛ موضحًا كيف استطاعت هذه النظرية تحويل نظرة المجتمع الأوروپي إلى الإنسان من طبيعته الإنسانية الراقية إلى النظر إليه على أنه ذات طبيعة حيوانية في الأساس، وكيف أثرت بصورة مباشرة على نظرة المجتمع للدين والكنيسة. ثم ينتقل للحديث عن الثورة الصناعية كسبب من أسباب ابتعاد ورفض ومهاجمة الناس للدين، كما يتحدث عن نظرية فرويد والتي تقول بأن الجنس هو أصل كل شيء في حياة البشر، والتفسير المادي للتاريخ الذي يقول أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام وكيف أثرت هذه النظريات والعوامل والتي أدت مجتمعة إلى التحرر الجنسي في أوروپا، ويتحدث بالطبع المؤلف عن جزء أساسي في هذا الموضوع وهو إنتقال المرأة من حياة الأسرة إلى حياة العمل وكيف تدرجت لتصل إلى هذا بعد أن كان مكانها هو المنزل وما هي العوامل التي أدت إليه؛ لتصل في نهاية الأمر للمساوة الكاملة مع الرجل بعد أن كان لا يأبه لرأيها ولا يؤخذ به.
ينتهي العنوان الأول لننتقل للعنوان الثاني -وهو أكبرهم- “حقائق وأباطيل“، ويناقش المؤلف تحت هذا العنوان نظرية دارون بصورة تميل للعمق؛ عارضًا رأي عالِم دارويني ملحد هو “جوليان هكسلي” في الإنسان، وكيف يرى هذا العالِم تفرد الإنسان عن الحيوان من حيث تركيبهما و المقاييس التي يتطور على أثرها كل منهما. ثم يتعرض لنظرية التفسير المادي للتاريخ لماركس، والتي تقول بأن تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام !
فكيف للإنسان إن كان تاريخه هو البحث عن الطعام (جل تاريخه) إلا التساوي مع الحيوان في طريقة العيش؟ وكيف له أن يتطور عن الحيوان في الحياة؛ مشيدًا حضارة ضخمة هائلة، ماداما يتفقان في نفس حتمية الحياة؟
يستمر المؤلف -ومازلنا تحت نفس العنوان- في مناقشة بقية النظريات التي حولت المجتمع الأوروپي والغرب لما هو عليه، فيناقش بطريقة مبسطة أسس نظرية “فرويد” التي ترجع الدافع وراء كل شيء لعامل واحد فقط وهو الجنس ! كل شيء في حياتنا نفعله بدافع من هذا العامل -وهو يؤسس  هذه النظرية على قاعدة نظرية دارون التي تقول بحيوانية الإنسان-، فيقوم “محمد قطب” بعرض الأسطورة التي تقوم عليها النظرية -والتي أتركها لكم لتقرئوها من الكتاب-، والقيام بتحليل منطقى وعقلي من داخل النظرية نفسها فيعمل على هدمها ولا يتبقى منها شيء.
التطور الدائم الذي يلغي عنصر الثبات، وتحول الإنسان وتطوره من عصر إلى عصر، ثبات الطبيعة البشرية أم تغيرها، وهل للإنسان دوافع ثابتة على مر العصور؟ أم أنها تتغير بتغير الزمان؟ هذه الأسئلة المهمة التي يتسائل ويدور حولها دائمًا من يفكر في طبيعة النفس البشرية دون أن يجد لها جوابًا، (عليها كلها) يجيب عنها محمد قطب.
بعد المناقشة والإجابة عن الأسئلة السابقة، يذهب الكاتب للحديث عن التطور والعقيدة، الأخلاق والتقاليد، ويقارن نظرة أوروپا لهذه المرتكزات الحياتية في القرن العشرين وتفسيرها لها بناء على نظرية دارون، ويقارنها بالفطرة الإنسانية المزروعة بداخل الإنسان و التي يثبتها التاريخ من أحداثه التي تتكرر.
يعود قطب بعد هذا إلى “جوليان هكسلي” في حديثه عن الإنسان وتفرده بيولوجيًا عن سائر الكائنات، وأن تاريخ تطوره متفرد عن الحيوان أو أي كائن آخر، ويرد من كلام جوليان نفسه على النظرية الداروينية ومن يعتنقها.
فلنكن صرحاء” العنوان الثالث من عناوين الكتاب، وعلى الرُغم من أن هذا الجزء كُتب في الستينات -على الأرجح- إلا أن جزء من وصفه للمجتمع -وليس كله ولله الحمد- ما زال متبقيًا إلى الآن، وهو مظهر الفتيات وطريقة لبسهن وشكله، فالنمط يتفق مع النمط الأوروپي وإن كان قد تحول من الملابس القصيرة إلى الملابس الضيقة، فتغير في الشكل والمضمون واحد، ويعمل على نقض المجتمع في هذه الحقبة، وهذه التجاوزات التي كان لا يُنظر إليها على أنها شيء حرام.
العنوان قبل الأخير “حين نكون مسلمين” يلقي فيها المؤلف الضوء على ملامح المجتمع المسلم المنشود، وكيف لنا أن نحول مجتماعتنا إلى مجتمعات إسلامية، وما هي ملامح الإنسان في تفسير القرآن.
الأخير معنون بـ “وبعد !“، ويتحدث عن أثر الإستعمار في الـمائتي عام الماضية على العالم الإسلامي؛ مرشدًا القارئ لبعبض المؤلفات التي تلقي الضوء على السبب الرئيس في إحتلال الغرب للشرق الإسلامي.
_____________________________________________________
تقييمي للكتاب: 5/5

الدين والسياسة تأصيل ورد شبهات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنظمة الحكم المختلفة عبر العصور هي موضوع دراسة هام من قبل الكثير من الباحثيين في المجال السياسي، فالعوامل التي لها أثر كبير في رسم وصياغة شكل الدولة هي دائمًا نقطة الإرتكاز في أطروحات البحث في هذا المجال.والدين وتأثيره على الحكم يتباين بإختلاف الأديان، فيختلف شكل تأثيره من دين إلى دين، فشكل حكم الكنيسة في الدولة المسيحية في العصور الوسطى يختلف عن شكل حكم الشريعة الإسلامية في الدولة الإسلامية عبر عصورها الكثيرة.والشريعة الإسلامية التي أُنزلت من عند الله سبحانه وتعالى، تشمل الجانب الإقتصادي والإجتماعي والسياسي لإدارة شئون الدولة الإسلامية وتعطي له قواعد تستطيع بناء الفروع عليها كيفما شئت لكن دون الإخلال بهذا القواعد. لذا كان الدين وأثره على سياسة الحكم هو قاعدة البناء التي يتم من خلالها بناء الدولة. وكثر بصورة واسعة الحديث حول الدين والسياسة، وضرورة علمنة المجتمعات الحديثة وفصل الدين عن سياسة الدولة؛ نظرًا لأن الدين إذا أدختله في السياسة فسد! وأفسد حياة الناس!
وكل من يدعو لعلمنة المجتمعات الإسلامية ينظر للدين نظرة أوروپا له، فعندما ثارت أوروپا على الدين بسبب طغيان الكنيسة عبر العصور وقاموا بعزل الدين عن الحياة بصورة كلية، وظهرت نظريات العلمانية والحرية الفردية وامتد آثارها إلى دول الشرق ليصبح لها تابعين ومؤيدين لتطبيقها في الدول الإسلامية، وهذا ظلم مجحف وقياس باطل بين النصرانية والإسلام!ولإهتمامي بالحديث هنا من صفحة الدولة العثمانية عن علاقة الدين بالسياسة في دولة الخلافة، أبدء مع معجبي الصفحة الأعزاء بعرض كتاب “الدين والسياسة، تأصيل ورد شبهات” للدكتور “يوسف القرضاوي”، وهو يعرض بصورة سهلة ومبسطة علاقة الدين الإسلامي بالسياسة، وهل بالفعل هناك جزء من الدين الإسلامي يهتم بجانب سياسة الدولة؟ مع رد لبعض الشبهات التي يقول بها معارضي إقامة الدولة الإسلامية.يقسم الدكتور يوسف الكتاب إلى 5 أبواب،
الباب الأول” يتحدث فيه عن عن معنى كلمة “الدين” وتعريفها لغة وإصطلاحًا -عند أهل العربية وأهل العلم الشرعي-، والعلاقة بين الدين والإسلام، ثم ينتقل لتعريف كلمة السياسة لغة وإصطلاحًا عند الفقهاء والفلاسفة وعند الساسة الغربيين.
يذكر الكتاب أحد تعريفات السياسة التي ذكرها ويلم روبسون: “إن علم السياسة يقوم على دراسة السلطة في المجتمع، وعلى دراسة أسسها وعملية ممارستها وأهدافها ونتائجها”

الباب الثاني” ينتقل للحديث عن الإسلام والعلمانية وانكار العلمانيين لفكرة شمول الإسلام واعتباره مثل النصرانية عبارة عن طقوس وشعائر تؤدى في المسجد فقط، فيفصّل بالتعريف بشمول الإسلام وفي قضية فصل الدين عن السياسة، مع مناقشة مقولة: “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين”، وإيضاح التسمية الخاطئة لكلمة “الإسلام السياسي”، حيث أن الإسلام لا يقسم إلى أجزاء سياسي واجتماعي بل هو وحدة واحدة.

الباب الثالث” ويتحدث عن الدين والدولة في الإسلام مع إعطاء نظرة على شكل الحكم في دولة الإسلام، فيؤكد على أن دولة الإسلام دولة مدنية بمرجعية إسلامية، وليست “دولة ثيوقراطية” تحكم بنظرية الحكم الإلهي، وتتحكم في دنيا الناس باسم الله كدولة الكنيسة في العصور الوسطى. ويذكر دكتور يوسف معنى الدولة الإسلامية في الكلمات: “الحق أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية، ككل الدول المدنية، لا يميزها عن غيرها إلا أن مرجعيتها الشريعة الإسلامية.”
أما عن الحاكم أو الرئيس في الدولة الإسلامية فيقول: “إن الأمام أو الحاكم في الإسلام مجرد فرد عادي من الناس، ليس له عصمة ولا قداسة وكما قال الخليفة الأول -أبي بكر الصديق رضي الله عنه- ‘إني وليت عليكم ولست بخيركم’. وكما قال الخليفة عُمر بن عبد العزيز ‘إنما أنا واحد منكم، غير أن الله تعالى جعلني أثقلكم حملًا’.” “هذا الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجه وأحكام تقيده، وهي أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته بل وضعها له ولغيره المكلفين: رب الناس، ملك الناس، إله الناس”.
فالشعب يحاسب الحاكم إذا أخطأ ويقومه في مقابل السمع والطاعة منهم في حالة صلاحه.

الباب الرابع” عن العلمانية وهل هي المشكلة للمجتمعات الإسلامية أم هي الحل؟ ويذكر المؤلف في الكتاب الأدلة على عدم توافق العلمانية معى المجتمعات الإسلامية والطعن في الدعوى المسماة العلمانية الإسلامية!

الباب الخامس” ويعرض لموضوع الأقليات الإسلامية في الدول غير الإسلامية وحقوقهم وواجباتهم ومالهم وما عليهم في هذه الدول.

الكتاب جيد جدًا في مجمله كمدخل لتوضيح علاقة الدين بالسياسة والدولة في الإسلام، إلا أن به بعض الملاحظات الصغيرة التي منها قول الدكتور بأن “جوهر الديمقراطية أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكم يقودها على الرغم من أنفها”. والحقيقة إن إختيار الشعب للحاكم ومحاسبته ومراقبته للحكومة يعد أحد عناصر الديمقراطية ولكن ليس جوهرها، أو على أقل تقدير لا ينفرد هذا العنصر بتكوين جوهرها الذي لا يكون إلا بأن تسند السيادة للشعب الذي يعني حق التشريع أن يكون للشعب والذي يثمر عن قوانين وقواعد وتشريعات يسنها نواب الشعب ولا يسع أحد مخالفتها.‬

درس تركيا الذى لم نستوعبه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في ظل ما تموج به مصر هذه الأيام من تقلبات وإختلاف وتصارع خفي وواضح، وجدت هذا المقال للمفكر الإسلامي الأستاذ فهمي هويدي، الذي قام بكتابته لجريدة الشروق اليومية، ونُشر بنفس عنوان هذه التدوينة بتاريخ 9 أغسطس 2011، فأحببت نقله إلى هنا لأهميته ووجهة نظره العميقة.
من مفارقات هذا الزمان وغرائبه أنه فى حين تتقدم تركيا بخطى حثيثة وحاسمة باتجاه إخراج العسكر من السياسة، فإن بعض المثقفين المصريين يتحمسون لإدخالهم فيها.
(1)
أحدث خطى الحسم فى تركيا وقعت فى الأسبوع الماضى. حين أعلن فجأة أن قادة الجيش قدموا استقالاتهم من مناصبهم احتجاجا على ما اعتبروه تدخلا من جانب الحكومة فى شئون القوات المسلحة. الأمر الذى أحدث دويا تردد صداه فى العديد من عواصم الدنيا. أحد أسباب الدوى أن قادة الجيش التركى كانت لهم لغة أخرى فى مخاطبة حكومة أنقرة. فقد كانوا يقيلون ولا يستقيلون، ويوجهون الإنذارات ويطلقون المدرعات فى الشوارع ولا يتخلون عن مناصبهم وينسحبون إلى بيوتهم. هذا المعنى عبر عنه المعلق التركى المعروف جنكيز شاندار بقوله إن الأيام التى كان الجيش يصدر فيها الأوامر ولت. وأن كل من راهن على أن الجيش يمكن أن يسجل نقطة فى الشأن السياسى عليه أن ينسى ذلك، لأن المعادلة اختلفت عما قبل.

لأن المفاجأة كانت كبيرة، فقد راقب الجميع تداعياتها، وقرأتها الأطراف المعنية كل من زاوية حساباته ومصالحه. ورغم أن الحدث يظل شأنا داخليا من وجهة النظر المصرية، إلا أننى وجدت أنه ينبغى أن يقرأ فى القاهرة بعناية شديدة من جانب المعنيين بوضع النظام الجديد للبلاد. لسبب مختلف تماما. ذلك أن ثمة أصواتا ارتفعت فى مصر خلال الأسابيع الأخيرة داعية إلى عسكرة ذلك النظام. وطالبت بالنص فى الدستور على توسيع اختصاصات القوات المسلحة، بحيث تقوم بدور فى حراسة النظام الديمقراطى والدولة المدنية. ومن ثم تحويلها من درع الوطن إلى وصى غير مباشر عليه. ومن حارس لأمنه وحدوده إلى حكم فى السياسة وصانع لها.

(2)
«زلزال أربع نجوم» ــ كان ذلك عنوانا رئيسيا لصحيفة «الصباح» الموالية للحكومة الصادرة يوم السبت 30/7. التى وصفت به الحدث الاستثنائى وغير المسبوق فى التاريخ التركى المعاصر. وبمقتضاه تمت استقالة رئيس الأركان الجنرال آسيك كوشانير، وقادة الأسلحة الأخرى البرية والجوية والبحرية إضافة إلى رئيس الأكاديمية العسكرية من مناصبهم. ولأن رائحة الخلافات بين الحكومة والجيش قد تسربت منذ أكثر من عام. بسبب اتهام بعض كبار الضباط فى مؤامرة للاطاحة بالحكومة فقد سارع المحللون إلى القول بأن تطورات ملف أولئك الضباط هو الذى فجر الأزمة وأوصلها إلى تلك النهاية.

ذكرت التقارير الصحفية أن ثمة 43 جنرالا محبوسين على ذمة قضية المؤامرة، إضافة إلى 165 ضابطا وجنديا. وحبس الجنرالات وتحقيق النيابة العمومية معهم أمر ليس مألوفا فى تركيا، لأن خصوصية وضعهم والهالة التى أحاطت بهم جعلت من الإقدام على خطوة من ذلك القبيل مغامرة تحرص أى حكومة على تجنب الدخول فيها. لذلك فالاتفاق منعقد على أن التوتر فى علاقة الجيش بالحكومة ازداد خلال السنوات الأخيرة، وان كان له وجود منذ تولى حزب العدالة والتنمية للسلطة فى عام 2002. وبدأ فى تقليص نفوذ العسكر الذين كانوا يباشرون وصايتهم على الحكومة من خلال مجلس الأمن القومى بأغلبية العسكريين من أعضائه. ولكن رئيس الوزراء رجب أردوغان استصدر قرارا جعل الأغلبية فيه للمدنيين. الشاهد أن غضب العسكر ظل كامنا وحذرا،، حتى بعد احتجاز الجنرالات وتولى السلطات المدنية استجوابهم. ولكن العلاقة انفجرت مؤخرا حين حل موعد ترقيات ضباط الجيش، وطلبت رئاسة الأركان ترقية بعض الجنرالات المحتجزين بحجة أنه لم تصدر ضدهم أحكام بالإدانة، وهو ما رفضه رئيس الوزراء الذى وجد أن ترقية ضباط متهمين بتدبير انقلاب والاطاحة بالسلطة، أمر غير مستساغ خصوصا أن التهمة جسيمة. ومنظمة «أرجنكون» التى اتهم الجنرالات بالتواطؤ معها أو الضلوع فيها تمثل اخطبوطا خطرا ظل يعبث بالساحة السياسية التركية طوال العقود التى خلت، دون أن تتمكن الحكومات المتعاقبة من وقف أنشطتها أو إجهاض عملياتها.

بعد يومين من إعلان الاستقالة الجماعية (فى 31/7) نشرت صحيفة «حريت» التركية القصة العجيبة التالية: فى عام 2000 اشترت رئاسة الأركان عددا من المواقع الإخبارية الإلكترونية، التى استخدمتها فى وقت لاحق فى نشر الأخبار الكاذبة وشن حملات التضليل التى استهدفت الإساءة إلى سمعة حكومة حزب العدالة والتنمية التى تشكلت فى سنة 2002. واستنادا إلى تلك الأخبار بادر المدعى العام فى المحكمة الدستورية عام 2007 إلى رفع دعوى لحظر الحزب الحاكم بحجة عدائه للعلمانية. واعتبرت المحكمة أن ما بثته المواقع أدلة لا يرقى إليها الشك. فأدانت حزب العدالة فى تهمة معاداة العلمانية، لكنها لم تحظر الحزب. وبعد عامين أميط اللثام عن الفضيحة وانكشف أمر تلك المواقع وعلاقتها بقيادة الأركان. لكن العسكر سارعوا إلى احتواء الموضوع والتستر عليه.

محاولة الانقلاب التى حملت اسم «المطرقة» كان مقدرا لها أن تتم فى عام 2003، أى بعد عام واحد من تولى حزب العدالة والتنمية كانت الأسوأ والأخطر. إذ أثبتت التحقيقات أنها كانت تستهدف إشاعة الفوضى على نحو مفاجئ، بما يؤدى إلى استدعاء الجيش للتدخل بسرعة ومن بين ما كان مدبرا فى هذا الصدد. تفجير بعض المساجد التاريخية فى اسطنبول. وإشعال حرب مع اليونان، واستنفار قوى التطرف العلمانى للخروج فى مظاهرات تدعو إلى إنقاذ البلاد من الانهيار. وهى المخططات التى لم ينكرها الضباط المحتجزون، وان كانوا قد برروها باعتبارها مجرد ترتيبات ومناورة عسكرية لمواجهة الطوارئ، ولم تكن تستهدف القيام بانقلاب فى البلاد.

(3)
من المقولات الشائعة فى أوساط الطبقة السياسية أنه إذا كانت القاعدة أن لكل بلد جيشا فثمة استثناء فى منطقة الشرق الأوسط. ففى تركيا والجزائر هناك جيشان لكل منهما دولة، فالجيش التركى انقذ البلد من الانهيار حين أعلن السلطان وحيد الدين الاستسلام للدول الحليفة فى نهاية الحرب العالمية الأولى

واصبحت البلاد مستباحة للفرنسيين والإنجليز والإيطاليين واليونانيين، ولكن الجنرال مصطفى على رضا قاد حركة للمقاومة السرية نجحت فى التصدى للقوات الأجنبية، حتى أجبرتها على التراجع، مما أدى إلى انسحابها فى عام 1923، فعلا نجم الرجل وتولى رئاسة البلاد منذ ذلك الحين. وحتى وفاته فى سنة 1938. وخلال تلك الفترة ألغى الخلافة العثمانية وحول قبلة البلد من الشرق إلى الغرب مستلهما فى ذلك مختلف قيم المنظومة الغربية وعلى رأسها العلمانية. كما أنه وجه عناية خاصة للجيش الذى دافع عن شرف وكرامة الأمة التركية. ومنذ ذلك الحين تحولت العلمانية إلى عقيدة أقرب إلى الدين، وأصبح الجيش هو القابض على زمام الدنيا.

لأن الدولة العثمانية عرفت نظام «الملل» الذى سمح بتقنين التعددية الدينية واستفادت منه التجربة الغربية فى إفساح المجال للتعددية السياسية، فإن المجتمع التركى لم يستسلم لهيمنة العسكر رغم هالة القداسة التى أحاطت بهم طوال الوقت، وظل يقاوم تلك الهيمنة منذ اجريت أول انتخابات نيابية فى سنة 1950 التى خسر فيها حزب الشعب الذى أسسه الجنرال مصطفى بعدما أصبح أتاتورك (أبو الأتراك) وكان الفوز من نصيب الحزب الديمقراطى.

هذا التطور لم نعرفه فى الجزائر لأسباب يطول شرحها، حيث لايزال الجيش مختطفا السياسة وقابضا على زمام البلد، متكئا فى ذلك على شرعية وإنجاز جبهة التحرير، منذ حصلت الجزائر على الاستقلال فى سنة 1962 وحتى هذه اللحظة.

ما يهمنا فى تتبع مسار التجربة التركية أن النص فى الدستور على أن الجيش هو المؤتمن على سلامة البلاد فى الخارج والداخل، حوله إلى سلطة أعلى من الحكومة تمارس الوصاية على المجتمع، التى مورست باسم حراسة العلمانية والذود عن حياضها. وبهذه الذريعة قام الجيش بثلاثة انقلابات عسكرية فى السنوات 60، 70، 80، كما قام بانقلاب سلمى فى عام 1997، اجبر فيه حكومة البرفيسور نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه ذى التوجه الإسلامى على الاستقالة.

حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فى سنة 2002، وفتح ملف منظمة أرجنكون التى كانت بمثابة الحكومة السرية التى تدير البلاد بالتواطؤ مع غلاة العلمانيين وفى المقدمة منهم بعض القيادات العسكرية، انكشف أمر محاولة الانقلاب التى كان مقررا لها أن تتم فى سنة 2003.إزاء تعدد الانقلابات، وحين تكشف دور بعض القادة العسكريين فى عملية «المطرقة» فإن ذلك أدى إلى تشويه سمعة القوات المسلحة، التى أصبح الدور السياسى الذى تمارسه عقبة فى طريق مسيرة الديمقراطية. إذ حين صوتت الأغلبية لصالح حزب العدالة والتنمية ثم تبين أن بعض العسكر خططوا للانقلاب على الحكومة المنتخبة وحل الحزب الفائز، فمعنى ذلك أن القوات المسلحة لم تصبح طرفا فى الصراع السياسى الداخلى فحسب، وإنما صارت تتحدى الاختيار الشعبى وتسعى إلى مصادرته.

أكثر من ذلك فإن انخراط العسكر فى اللعبة السياسية واستغراقهم فى معارك الداخل، جعلهم يقصرون فى بذل الجهد الواجب للتصدى لهجمات المتمردين الأكراد، الذين كثفوا هجومهم خلال الأشهر الأخيرة. وهو ما ذكره تقرير خدمة «نيويورك تايمز» الذى نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» فى 1/8 منسوبا إلى أحد المسئولين الأتراك.

هذه الخلفية عززت من مركز رئيس الوزراء أردوغان فى سعيه لاستصدار دستور جديد يعيد هيكلة الجيش ويخضعه للسلطة المدنية، بحيث يتحول إلى قوة من المحترفين المعنيين بالشأن العسكرى. والبعيدين عن القيام بأى دور سياسى. حتى أن الحكومة تعد الآن تشريعا جديدا يمنع القوات المسلحة من إصدار أية بيانات سياسية. ما يثير الانتباه فى هذا السياق أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» ذكرت فى 31/8 أن المسئولين الإسرائيليين تابعوا بقلق مسألة استقالة قادة الجيش التركى. ونقلت عن أحد المسئولين قوله إن تلك الخطوة تعنى «سقوط آخر حصن ضد الإسلام فى تركيا»!

(4)
خبرة التجربة التركية ينبغى استيعابها من أكثر من وجه. فإقحام الجيش فى السياسة الداخلية الذى دعت أصوات بعض مثقفينا فى مصر إلى تضمينه فى الدستور ورطة احتاجت تركيا إلى أربعين سنة للخروج منها. والعلمانية التى فرضها أتاتورك ويظن أولئك البعض أنها طوق النجاة وسبيل إلى إقامة المجتمع المدنى المنشود لم تجلب معها الديمقراطية ولم تنقذ المجتمع من هيمنة العسكر، وإنما تحققت آمال الشعب فى ذلك من خلال النضال الديمقراطى بعد مضى نحو 80 عاما من فرض العلمانية على تركيا (أتاتورك مات فى سنة 1938). وبعد استقالة قادة الجيش وتقليم أظافره قرأنا مقالا فى «الشروق» لزميلنا الأستاذ جميل مطر كان عنوانه: «تحقق الحلم وأصبحت تركيا دولة مدنية»، فى إشارة إلى أن الديمقراطية نجحت فيما فشلت فيه العلمانية.

ويسمح لى سياق الاستفادة من التجربة التركية أن أكرر معنى سبقت الإشارة إليه. يهم الجماعات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، خلاصته أن النجاحات التى حققها حزب العدالة والتنمية فى تركيا لم تتوفر له لأنه كان يعظ الناس، وإنما لأنه كان يخدمهم وأنه لم يتوقف عند العناية بعمارة الآخرة، ولكنه اعتبر عمارة الدنيا سبيلا إلى عمارة الآخرة.إن العبر كثيرة، لكن قليلين هم الذين يستوعبون الدروس ويعتبرون.

دفاعًا عن السلطان عبد الحميد الثاني

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تاريخ دولة الإسلام يمتد لقرون طويلة من الزمان، وهي حقبة أساسية غاية في الأهمية من تاريخ الأرض، أمتدت عبر حكم الخلفاء الراشدين، مرورًا بالأمويين، فالعباسيين، فالعثمانيين. ونسبة معرفة المسلمين لتاريخ هذه الحقوب نسبة قليلة جدًا، ومن يعرف المعلومات الصحيحة والحقيقية عنها نسبة أقل من الأولى، وللأسف يقع المسلمون في هذا الخطأ الضخم بعدم معرفة تاريخهم، وعوامل نهوضهم وإنحدارهم، فتتكرر مأساتهم وإذلال أعدائهم لهم مرات ومرات للوقوع في هذا الخطأ الجسيم. وتاريخ الخلافة العثمانية من الحقوب التي لا يعرف عنها أبناء الإسلام شيء يذكر، وإذا علم شيئًا فإنه يصل إليه مشوه غير صحيح، فتصور من من خلال المناهج التعليمية -في مصر مثلًا- كأنها إحتلال للبلدان العربية، فتُعرض المرحلة الأخيرة فقط لنا من تاريخها حيث كانت نهايتها وضعفها؛ وذلك على الرُغم من الدور الكبير التي لعبته في الحفاظ على البلدان العربية الإسلامية من هجمات الأعداء المختلفة لمئات السنوات. والدولة العثمانية كغيرها من الدول تكون في بداية عهدها دولة صغيرة، ثم تكبر بالتدريج حتى تصل للقمة، ثم تأخذ سلم الإنحدار تدريجيًا وصولًا إلى السقوط والزوال، لذا ففي قرونها التي حكمت فيها مساحات شاسعة من الأرض وصلت في قمتها إلى حوالي 20 مليون كم2، -وهي أكبر دولة في تاريخ الأرض حكمت هذه المساحة- فكان لها من الأعمال الصحيحة والعظيمة، كما كان لها من الأعمال السئية الضئيلة بإختلاف فترات الضعف والقوة.
قال صلى الله عليه وسلم:إن حقًا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعهرواه البخاري.
السبب الذي دفعني لأكتب هذه التدوينة هو حبي للسلطان المسلم عبد الحميد الثاني، أحد أعظم السلاطين العثمانيين، وأكثر سلاطين آل عثمان تعرضًا للظلم في التاريخ الحديث، وأعظمهم قدرًا في عصر إنحطاط الدولة العثمانية، والذي عمل على الدفاع عن الدولة من الزوال لمدة تزيد عن ثلث قرن، عندما تسلّمها وهي في مرحلتها الأخيرة بعد ضعف شديد وشلل أصابها، ليحاول إعادة الدولة مرة أخرى والمحافظة عليها من السقوط؛ عبر إدخال التحديث والتطوير للدولة في كافة الميادين، فهو يعد بحق رائد العلم والتحديث في الدولة العثمانية في عصرها الأخير. كان السلطان عبد الحميد موضع حب وتقدير من كافة المسلمين الموجودين في عصرة؛ فصار رمزًا للمسلمين والعثمانيين في نظر أعدائهم، فأصبح هدفهم القضاء على هذه الشخصية ذات القدرة المتميزة. فالسلطان عبد الحميد من وجهة نظري أحد أعظم شخصيات القرن التاسع عشر والعشرون، ويستحق بأن يُلقب بأنه آخر خلفاء الدولة الإسلامية؛ نظرًا لأن الذين أتوا بعده لم يكن هناك سلطة فعلية في يديهم وكانت بيد حكومة الإتحاد والترقي بعد خلعها للسلطان ونفيه بإنقلاب عسكري.
بداية الحديث نقول أن السطان بشر، وأي بشر يصيب ويخطئ في حياته، فتاريخ الفرد ليس كله محاسن ولا كله مآخذ، بل تجتمع فيه هذا وذاك، ونحن نقوم بتقييم الشخص بالأعمال التي تغلب عليه، فالمثل يقول :أنت أكثر ما يغلب عليك “، لذا عند وضع أعمال السلطان في الميزان فبناء على الأدلة التاريخية الموثقة والوثائق التي ترجع لعهده، ترجح الأعمال الخيرة التي قام بها  السلطان ،والتي أسال الله أن تكون خالصة لوجهه وفي ميزان السلطان يوم القيامة.
الرد مني على محمود عبد الرحيم عرفات، وهو مدون ليبرالي (علماني) يعيش بمدينة طنطا. لديه إهتمام بالتاريخ التركي الأتاتوركي نظرًا لحبه الشديد لمصطفى كمال أتاتورك.
عرض الاستاذ محمود مجموعة من الشبهات في مدونته تهدف إلى تشويه صورة السلطان؛ عن طريق صياغة أسئلة تعطي لمن يقرئها معلومات غير صحيحة تشوه صورة هذا الرجل العظيم رحمه الله، وقبل الحديث عن الشبهات والرد عليها أقوم بعرض نبذة بسيطة عن آراء الأستاذ محمود الدينية؛ فقط من باب معرفة عقلية من نرد عليه. فالأستاذ محمود من نوعية الأشخاص الذين يقومون بمهاجمة الدين ولكن بصورة غير مباشرة؛ عن طريق سب رجال الدين ووصف أفكارهم بالرجعية والتخلف، وذلك لأنه لا يستطيع مهاجمة الدين مباشرة؛ إذ سيفقد نسبة كبيرة من القراء الذين يصلون لمقالاته، ولن تؤثر فيهم، فليس هناك مانع من التستر بعباءة ذات شكل مختلف ولكن بنفس المقصد من المقالات -وهو الطعن- والذي يغيب عن كثيرين. هذا النوع من المهاجمين يعمل هل إثارة الشبهات حول مواضيع معينة، فيتشكل في العقل الباطن للقارئ صورة معينة عن هذه النقاط الدينية؛ مستغلًا حالة الجهل الديني الشديد في المجتمعات العربية، فلا يعرف القارئ المسلم إن كان هذا الكلام صحيحًا أم لا، فتنطبع في ذهنه هذه المغالطات كمعلومة أولى، وتتكرر في مقالات ومواضع أخرى إلا أن يُبنى في ذهن القارئ جدار يحول بينه وبين الحقيقة، فلا يرى بعد ذلك إلا ما عرفه أول مرة. يرى الكاتب -كغيره من العلمانيين- أن الإسلام ما هو إلا أخلاقيات فقط وأن الشريعة الإسلامية الصحراوية لا تناسب زماننا هذا، وأن الزمان قد تطور فكيف نُحكم الآن بقوانين من 1400 عام؟ “فالشريعة في شئون الدنيا قوانين لكنها خاصة بتحقق المصلحة فإن انتهت المصلحة أُستبدلت الشريعة“.
من كارهي نظام الخلافة الإسلامية ويرى أنه لا سياسة في الدين، أو نقول ما يمت بصلة بعلاقة الدين في الحياة بصورة عامة، و الحكم بصورة خاصة. من آرائه أن مصر يجب أن تكون “دولة مدنية علمانية صارمة لصالح المواطنة و الدستور المدني“، وأنه “لو ورد ألف حديث من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام في مسألة فإنه لن يأخذ إلا برأي العلم“، ناهيك عن سبه للملتحين ووصف الإسلاميين بالإرهابيين وغيرها، ونظرًا لعدم حبه للخلافة -التي تحكم بمرجعية دينية- وحبه لهذه الحقبة من التاريخ التي بدء فيها نظام الجمهورية العلمانية، منعه هذا من أن يكون موضوعيًا في الحديث عن الخليفة عبد الحميد الثاني، -وكيف يكون موضوعيًا في الحديث عن شيء يكرهه!!- ونظرًا لأنه خليفة حاول إرجاع قوة الدولة في عصر إحتضارها، لذا فهو من وجهة نظره مستبد وفاسد و خائن أيضًا. من بين المقالات التي يكتبها، قام الأستاذ محمود بكتابة مقالتان للطعن في السلطان، الأولى بعنوان : “في مسألة سقوط الخلافة.. فلنتسأل عن السلطان عبد الحميد الثاني” وهي خاصة بمسلسل “سقوط الخلافة” والذي تدور أحداثه بداية من تولي السلطان عبد الحميد الثاني – رحمه الله – الحكم 1876 إلى وفاته عام 1918 وموقفه من بيع فلسطين لليهود.
الثانية بعنوان: “حتى لا تنجرفوا وراء مسلسل سقوط الخلافة .. هذا ما حدث“، وهي تشويه لصورة السلطان التي عُرضت في المسلسل، وإظهاره بصورة المستبد الذي يريد أن يحكم الدولة في قبضته، وإظهار جمعية الإتحاد والترقي -اللصوص- بأنها جمعية تهدف إلى النهوض بالدولة، ومدحت پاشا الخائن على إنه رجل إصلاحي، وبالطبع هذه الإفتراءات الموجهة للسلطان والكلام على الخونة على أنهم إصلاحيين كلام ليس له أساس من الصحة، فبالأدلة التاريخية الموثقة أعرض هنا إن شاء الله دليل كذب إفتراءاته الموجودة في المقالة الأولى، وإنها عبارة عن كلام لا يستند إلى حقائق بل إلى تأليف من رأسه؛ ليتصيد الشبهات ويعرضها للقارئ الذي لا يعرف شيء عن التاريخ الحقيقي لهذا السلطان العظيم.
قبل البدء في الرد أريد عرض نقطتان:
الأولى: هي سياسية السلطان وطريقة تفكيره لإعادة قوة الدولة مرة أخرى، وهي من كلام السلطان نفسه في مذكراته وهي نقطة مهمة يُبنى عليها الرد.
الثانية: آراء  بعض الأشخاص الذين عرفوا السلطان عبد الحميد على حقيقته منهم العرب ومنهم الأوروپيون، وفيه يثبتون حقيقة السلطان.
يقول السلطان رحمه الله في مذكراته شارحًا وضع الدولة، منذ توليته لعرشها والسياسة التي سعى لتطبيقها طيلة مدة سلطنته : ” كنت أرى بوضوح أن دول أوروپا العظمى قد أخذت تقسم العالم فيما بينها، وكانت الممالك العثمانية ضمن الدول التي ستتعرض للإنقسام، وكنت لا أستطيع أن أقف أمام تلك القوى وحدي؛ لم تكن قوتي تكفي، الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله هو الإستفادة من التنافس فيما بينهما، وتوزيع الأمل في لقمة كبيرة بعض الشيء على كل واحدة منها، والإيقاع بين كل واحدة وأخرى. مرة أخرى كنت أرى بوضوح أن ظهور ألمانيا كفيل بإخلال التوازن الأوروپي، وأنه سيوقع الدول الأوروپية بعضها ببعض، وإني لو أستطعت إنقاذ بلادي من التعرض للإنقسام حتى ذلك اليوم؛ فإني في وقت هذا الصدام استطيع حماية وجودنا بالإنضمام إلى أحدى الكتلتين وكسر الطرف الآخر، ولم أكن أرى هذا ببعيد، وفي نهاية ذلك سيتصادمون، وبحثت بدقة عن الطريق التي سأسلكها. كنت قد رأيت أثناء مؤتمر الدول الكبرى الذي عقد في أستانبول نوايا هذه الدول، وهي ليست كما يقولون تأمين حقوق الرعايا المسيحين، بل تأمين إستقلالهم الذاتي، ثم العمل على إستقلالهم التام، وبذلك يتم تقسيم الدولة العثمانية. كانوا يعملون في سبيل ذلك في إتجاهين :
الأول: إثارة الأهالي المسيحين وتعكير صفو الجو وبذلك تتصدى لحمايتهم.
الثاني: المناداة بتطبيق الدستور لإحداث الفرقة فيما بيننا، واستطاعوا أن يجدوا من بيننا أنصارًا يستخدمونهم في كلتا الغايتين.
وللأسف كان على خبز العدو شيء من السمن، فلم يستطيع بعض الشباب التركي المثقف أن يفرق بين التطبيق السهل للحكم الدستوري في بلاد تتمتع بوحدة قومية وبين تعذر هذا الحكم في الدول التي لا تتمتع بوحدة قومية. كيف كان يمكنني أن أنقذ بلادي من هذه الخيانات والتمردات؟ أسرعت بتجهيز الجيش بالأسلحة الحديثة وما هو مناسب من أسطول وتدريب الجنود على فنون الحرب. وأستدعيت إلى إستانبول القائد الكبير “فوندر گولتس“. ورأيت أنني لو أتفقت مع دولة تسود البحار في هذه الحرب التي أتوقعها [الحرب العالمية الأولى] – ولي أمل في قيامها – في ذلك الحين تكون جيوشي مستعدة للعمل. وسيقوم أسطولي بتسهيل مهمتي، وفوق هذا سيكون تحت يدي جيش يجيد تمامًا حيل الحرب التي تلجأ إليها الأمم التي سأحارب ضدها. نعم لم تكن لدي الطاقة ولا القوة لمحاربة الدول الأوروپية بمفردي ولكن الدول الكبرى التي تحكم شعوبنا المسلمة كثيرة في آسيا مثل: إنگلترا وروسيا، تخاف من مقام الخلافة، لهذا السبب إستطاعوا الإتفاق على إنهاء الدولة العثمانية، وكان عليّ ألا أستخدم هذا السلاح خارج حدودي حتى اليوم المنتظر[يقصد السلطان سلاح الخلافة]، وإن محاولة كهذه لم تكن لتفيد إخوتنا في الدين أو تفيد بلادي. وقررت أن أستخدم قوتي كخليفة في وحدة بلادي وأمنها كما قررت العمل على سلامة إخواننا في الدين من الخارج ضد كل الإحتمالات. كانت الخلافة في يدي أمرًا يقلق الإنگليز دومًا ويجعلهم في إضطراب، فالإنگليز يحكمون مائة وخمسين مليونًا من المسلمين في آسيا، وللخلافة نفوذ كبيرة على هؤلاء المسلمين. ولإني كنت أعرف ذلك كنت ودون أن أثير شكوك الإنگليز أُرسل السادة الأشراف وشيوخ الطرق الصوفية والدراويش إلى مسلمي آسيا الصغرى، وكنت أظهر عناية خاصة بربط مسلمي آسيا بالخلافة ربطًا معنويًا. لو فرقنا بين أعدائنا الذين أتحدوا على تمزيقنا ثم بقيت لنا قطعة واحدة لأستطعنا أن نصبح قوة لا تنازع؛ لاستطعنا أن نصبح مرة أخرى أصحاب الكلمة على العالم بأسره. كان ما سيدعو إلى الصدام في النهاية نتيجة التنافس بين الدول الكبرى واضحًا جليًا أمام الأعين، إذن كان على الدول العثمانية أن تعيش بعيدًا عن مخاطر التمزق بقدر ما تستطيع أن تبرز ثقلها يوم الصدام، هذا هو سر سياستي التي أستمرت 33 عامًا. “
من كلام السلطان تتضح طريقة تفكيره لإعادة قوة الخلافة العثمانية، فالسلطان يريد تقوية الدولة عسكريًا وتجهيزها وتطوريها؛ لأنه توقع وكان توقعًا صحيحًا بأن حربًا ستنشب بين الدول الاوروپية، وهي الحرب العالمية الأولى التي نشبت بعد عزل السلطان بخمس سنوات فقط، وبإنضمامه إلى ألمانيا في الحرب يعلن كخليفة للمسلمين الجهاد على كل القوى الإستعمارية التي تحتل بلاد المسلمين، مما سيعمل على هبوب المسلمين الغيورين للدفاع عن بلدانهم.
بالإضافة لكلام السلطان، فهناك من الوثائق ما يدل على تدينه، وإهتمامه بحماية المسلمين والعمل على النهضة بهم في جميع أنحاء العالم من الهند والصين وروسيا، فمنع عرض مسرحية تسيء للرسول في فرنسا وفرح المسلمون بهذا الأمر فرحًا كبيرًا، وأمر بمنع لعبة القمار في كل الممالك العثمانية ﻷنها حرام شرعًا، كما أمر بشأن عدم ذهاب أبناء المسلمين في بيروت للمدارس الأمريكية والفرنسية وسرعة الإنتهاء من إنشاء المدارس العثمانية حتى لا يفسد إعتقاد أبناء المسلمين، بالإضافة إلى إرسال حروف المطبعة العثمانية إلى روسيا من أجل تعليم المسلمين الموجودين في روسيا، وغيرها من الأعمال الكثيرة العظيمة لخدمة الإسلام والمسلمين، فدائمًا ما كان السلطان يزيل توقيع فرماناته بـ “خادم المسلمين عبد الحميد الثاني“.
أما آراء المنصفين من المسلمين وغير المسلمين أعرض هنا بعض منها، فنبدء بمصطفى كامل پاشا حيث يقول : “السلطان عبد الحميد سيد الحكماء، وقدوة الساسة، وقادة الأمم“، وينضم إليه جمال الدين الأفغاني فيقول: “لو وُزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر، لرجحهم ذكاءً ودهاءً وسياسةً. وأعظم ما أدهشني ما أعد من خفي الوسائل، وأقصى العوامل، كي لا تتفق أوروپا على عمل خطير في الممالك العثمانية“، أما أمير الشعراء أحمد شوقي فيقول في قصيدة له مادحًا السلطان: “هنيئا أمير المؤمنين، فإنما نجاتك للدين الحنيف نجاة“.
أما بالنسبة للمنصفين الأوروپين فيقول السير هنري وودز الإنگليزي وهو مشير بالبحرية وعمل مستشارًا بالقصر العثماني في مذكراته عن السلطان:
بالنسبة لي، السلطان عبد الحميد خان أحد السلاطين الذين يحتلون موقعًا متميزًا بين السلاطين العثمانيين جميعًا، فهو من أنجح الحكام الذين تولوا حكم الدولة العثمانية منذ تأسيسها. كان هادئًا للغاية، يستمع إلى المتخصصين عندما يناقش مسألة ما. كان عاقلًا ومؤدبًا إبان فترة ولايته للعهد، وآنذاك إذا ما أتى أي وفد أوروپي إلى إستانبول كانوا يطلبون زيارته. ولو لم يكن السلطان عبد الحميد خان لما حكمت الدولة إدارة عاقلة، ولانهارت الدولة منذ زمن بعيد. سدد ديونها الخارجية، وقوى الجيش، وجعل الدولة العثمانية يسعى إلى صداقتها والإرتباط بها. ولو لم يتم إسقاط السلطان عبد الحميد خان، لما أندلعت الحرب العالمية الأولى، وإن إفترضنا العكس لكان السلطان سيجعل تركيا دولة محايدة. أولى إهتمام كبير بالمسلمين في كل أنحاء العالم وربطهم بإستانبول بالحب والإحترام فقد كان يتواجد بـإستانبول  دومًا الآف المسلمين من غير الترك يسمعون منه ويتلقون عنه الأوامر. أحبه الشعب كثيرًا وكان مخلصًا في حبه له فقد كانت نداءات الشعب المحب تتعالى حتى عنان السماء قبل عدة أيام من خلعه هاتفةعاش مولانا السلطان‘ “
أما المستشرق المجري أستاذ اللغة المشهور ورئيس جامعة بوداپست البروفيسور أرمينوس وامبري الذي زار تركيا عام 1890، وبفضل إلمامه الجيد بالتركية حصل على ثقة السلطان وهو يصف السلطان بهذه الأسطر في كتابه فيقول : “إرادة حديدة، عقل سليم، عيون معبرة مؤثرة، شخصية وخلق وأدب رفيع جدًا يعكس التربية العثمانية الأصيلة … هذا هو السلطان عبد الحميد. ولا تحسبوا معلوماته الواسعة تخص الإمبراطورية العثمانية المنهكة، فمعلوماته حول أوروپا وآسيا وإفريقيا، بل حتى حول أمريكا معلوماته واسعة وهو يراقب عن كثب جميع الحوادث في هذه الأماكن. كان متواضعاً ورزيناً إلى درجة حيرتني شخصيًا، وهو لا يجعل جليسه يحس بأنه حاكم وسلطان كما يفعل كل الملوك الأوروپين في كل مناسبة، متمسك بدينه غاية التمسك، يرعى العلماء ورجال الدين، ولا ينسى بطريق الروم وبطريق الأرمن من عطاءاته الجزيلة. إن بعض ساسة أوروپا يريدون أن يصوروا السلطان عبد الحميد عدوًا متعصبًا ضد المسيحين، وليس هناك إدعاء فارغ أكثر من هذا الإدعاء. إنني أستطيع القول بكل ثقة : إنه إذا استمر الأتراك بالسير في الطريق الذي رسمه هذا السلطان، وإذا لم يظهر عائق سياسي فإنهم سيسترجعون مجدهم وقوتهم السابقة، وأكثر من هذا فإنهم سيصلون إلى مستوى الدول الأوروپية في مجال الثقافة والإقتصاد في مدة قصيرة
أما السفير الأمريكي المستر س.س. كوكس فيقول في كتابه “مذكرات دبلوماسي” واصفـًا السلطان عبد الحميد: “هو أكثر الحكام الموجودين في العالم عملًا وجدًا واهتمامًا وإستقامة ويقطة، وانظفهم وجدانًا، يتعامل بصدق وبعدل مع الجميع، وكل كلمة منه تدل على طيبة قلبه وعلى ذكائه” ويستمر قائلًا: “لقد درست إصلاحات الأتراك طوال العصور الثلاثة الأخيرة وأقتنعت بأن السلطان – الذي هو تركي نقي – قادر على إعطاء الدفعة الكافية للتعجيل بالتقدم البطيء للإصلاحات التركية، وهذه الدفعة ستقدم بلده نحو النور والحرية والمدنية. إن وجود شخص صافي النية وصريح ومتفهم، ومستعد أن يحصر كله وقته لصالح أمته … إن وجود مثل هذا الشخص على رأس الدولة العثمانية، لنعمة طيبة مباركة، فالسلطان ليس شخصًا محبوبًا فقط، بل في الوقت نفسه على دراية واسعة بأمور الدولة
ويقول اللورد فيشر الشهير الذي كان قائدًا للإسطول الإنگليزي في مذكراته التي نشرها في جريدة التايمز: “بداخلي احترام عميق لشخص السلطان عبد الحميد خان، رغم ان سفيرنا لم يشاركني رأيي هذا. الذين يقفون على جوهر مثل هذه الأمور، لا يترددون في الحكم بأن السلطان عبد الحميد خان كان الأمهر والأكثر ذكائًا ودبلوماسية من كل أوروپا
ونختم بقول المسيو بودن وهو عضو فخري بالأكاديمية الفرنسية للموسيقى والآداب فيقول في مؤلفه “الآثار الجليلة الحميدية”:
بدأت الدولة العثمانية ترقى إلى المراتب العليا التي تتحق لها الرقي المادي والمعنوي في العصر السعيد، عصر السلطان عبد الحميد خان. فالحقيقة إنه منذ جلوسه على العرش فتح الكثير من المدارس؛ بقصد تعليم الشعب ما ينفعه في دنياه وآخرته. وبلغت الأمة العثمانية النجيبة رقيها في سرعة ملحوظة. وفي ظل الرقي المعرفي إنتظمت أيضًا شئون الإدارة والصناعة والتجارة والإدارة العسكرية. فقد كانت هناك رغبته الواضحة في الا يكون هناك وجود لشبهة أن الدين الإسلامي يعوق العلم والرقي. فقد تأسست وبنيت العديد من المدارس في ظرف عدة سنوات في مدن وقصبات الدولة العثمانية. وشيد في فترة قصيرة خط حديد الروميلي وخط حديد الأناضول. وإنشاء رصيف ميناء إستانبول أعظم علامة على جهود هذا السلطان العظيم. والفخر واجب بالفنون والعلوم التي أمر السلطان بإحيائها من خلال المكتب السلطاني وسائر المدارس العليا الأخرى. وتحديث الجيش من أعمال ذلك السلطان الكبير وهي حقيقة يعلمها العالم كله
___________________________________________________________________
نأتي الآن للشبهات، ففي المقالة الأولى يعرض الكاتب الشبهات الآتية والتي أرد عليها ردًا تفصيليًا:
1- الشبهة: هل سيتناول المسلسل منشور عبد الحميد الثاني ضد أحمد عرابي بخروجه عن الملة بينما عرابي يقاتل الانجليز المتقدمين داخل مصر مما ساهم في هزيمته؟
الحقيقة: لتوضيح هذا الأمر يتوجب عرض جزء تاريخي بشيء من التفصيل حتى نصل لنقطة إعلان عصيان عرابي پاشا وعرض أسبابه، لذا قد يطول الرد نسبيًا.
كان الخديوي إسماعيل خديوي مصر قد نجح في أخذ إمتياز من السلطان عبد العزيز بتعيين أبنه الأكبر للحكم كوريث له، والأبناء ذات السن الأكبر عمومًا لوراثة العرش، وبالسماح بالإستدانة من الدول الأجنبية (إنگلترا وفرنسا)، واستغل هذا الأمتياز فتورط في إستدانة مبالغ ضخمة من الخارج بلغت في ظرف عشر سنين “مائة مليون جنيه ذهبي” وهو دين ضخم جدًا مقابل القوة الشرائية للجنية الذهبي في ذلك الوقت، ولتقريب المسألة أقول: أن ديون الدولة العثمانية كلها -بعد جهود عبد الحميد لتخفيضها إلى النصف تقريبًا- تعادل جملة إقتراضات الخديوي إسماعيل بمفرده!! وهو خديوي على أيالة مصر العثمانية. أمام هذه الديون الضخمة اضطر إسماعيل إلى طرح أسهم قناة السويس التي كان يمتلكها للبيع؛ للعمل على تسديد هذا الدين -وإن لم يجد هذا نفعًا-، وتبلغ حوالي 44% من مجموع أسهم القناة. نجح دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في شراء هذه الأسهم، مما أثار جنون فرنسا التي قامت بشق القناة، وبسطت بهذا إنگلترا جناحيها على مصر.
وكانت هذه هي الحجة للتدخل الأجنبي من قبل إنگلترا في شئون مصر الداخلية، وقامت حكومة إنگلترا بالضغط على الخديوي إسماعيل بشأن إدخال مراقبيين أجانب إلى الحكومة المصرية، ورضخ الخديوي لهذا الضغط وأدخل في وزارته وزيريين أجنبيين: وزير إنگليزي للمالية ووزير فرنسي للأشغال، وأخذا يقللان من المصاريف؛ بحجة المحافظة على حقوق الدائنين، ويتدخلان في قضايا أخرى في الدولة بنفس الحجة. وصل عدد الجيش في عهد إسماعيل إلى 30,000 ما بين جندي وضابط، فجاء الوزراء الأجانب فأنزلوا عدد الجنود إلى 11,000 فقط، كما أحالوا حوالي 2,500 ضابط للتقاعد أي أكثر من نصف الضباط في الجيش؛ بحجة تقليل المصاريف أيضًا، مما ولد إستياء شديدًا في مصر من قبل الرأي العام، وكان الضباط المصريين هم الأغلب في اللذين أحيلوا للتقاعد وأبقوا على الضباط الأرناؤوط والأتراك والجركس، مما حرك المشاعر الوطنية في نفوس الجيش والتفوا حول عرابي.
ونتيجة لإسراف الخديوي وهذا الجو الجديد، قام السلطان عبد الحميد بعزل الخديوي إسماعيل وتعيين أبنه الأكبر وولي العهد محمد توفيق پاشا. ألتف الوطنيين حول عرابي ونجحوا في الضغط على الخديوي بتأليف وزارة وطنية، وتكون وزارة برئاسة محمود سامي البارودي أحتل فيها عرابي منصب وزير الجهادية (الدفاع). أعجب السلطان عبد الحميد بحركة أحمد عرابي بك، فأيده بمنحه رتبة مير لواء مع الباشوية، كما منحه الوسام الحميدي من الدرجة الأولى، وبذلك أصبح أمير اللواء أحمد عرابي پاشا.
سعى عرابي إلى تقوية الجيش وطرد الموظفين الأجانب من الإدارة المصرية، فأنهى عمل الموظفيين مما أدى لإحتجاج إنگلترا وفرنسا وعرضت فرنسا على إنگلترا القيام بحملة عسكرية موحدة لإحتلال مصر فرفضت إنگلترا؛ لأنها أرادت إبعاد فرنسا عن مصر ذات الأهمية البالغة لها، مما أدي بفرنسا إلى الدعوى إلى عقد مؤتمر للدول الأوروپية في اسطنبول، وكان قرار هذا المؤتمر تقديم طلب للدولة العثمانية للقيام بحملة عسكرية من خمسة أو ستة آلاف جندي خلال ثلاثة أشهر لتأمين الإستقرار في مصر وإعادة الأوضاع لسابق عهدها.
رفض السلطان هذا الإقتراح، فتم نقده بشدة على أساس أنه ترك مصر لوحدها في مواجهة إنگلترا، والحقيقة أن هذا الموقف يوضح حكمة السلطان البالغة، فكيف لخليفة المسلمين أن يرسل جيوشًا لمحاربة المسلمين المصريين الوطنيين؟ وبعد أن يملأ مصر دمارًا وخرابًا يقوم بتسليمها إلى سيطرة الأجانب مرة أخرى؟
كان الغرض الخبيث من إرسال قوات عثمانية إلى مصر هو إضعاف قوة الدولة العثمانية العسكرية التي كانت تعاني في هذا الوقت من أزمات مالية وعسكرية كبيرة، وفي نفس الوقت العمل على اصطدام الجيش العثماني بالمصري مما سيؤدي إلى كسر شوكة الجيش المصري والقضاء على الجيش العثماني الصغير؛ نظرًا لكبر حجم الجيش المصري، فقطع السلطان الطريق على الإنگليز وأفسد عليهم خططهم برفضه، وعلى كل الأحوال فقد كانت إنگلترا تبيت النية لإحتلال مصر كما سيأتي.
تولى عرابي پاشا رئاسة الوزراء بعد ذلك، فأعلنت إنگلترا -التي كانت تحاول إقتناص أي فرصة للهجوم على مصر- عن تشككها في قدرة حكومة عرابي على حفظ الأمن للأجانب الموجودين في مصر -وقد أعلنت سابقًا أنها ستحمي الأجانب في مصر- وانتهزت فرصة تجديد قلاع الإسكندرية وتقوية إستحكامتها، فأرسلت إلى قائد حامية الإسكندرية إنذارًا بوقف عمليات التحصين والتجديد وإنزل المدافع الموجودة بها. رفض الخديوي ومجلس الوزراء هذا مما ادى لضرب الأسطول الإنگليزي للمدينة إلى أن أستسلمت، وأضطر عرابي إلى التحرك بقواته بعيدًا عن المدينة وصولًا إلى كفر الدوار. والنتيجة هي هزيمة عرابي في النهاية في معركة التل الكبير، ونفيه إلى جزيرة سيلان، وإحتلال مصر.
كان السلطان يرى أن عرابي مجرد ألعوبة في يد الإنگليز، فأسرع بإرسال كل من درويش پاشا وسيد أسعد أفندي لمصر كي يسديا النصيحة لعرابي بعدم مقوامة الإنگليز -وقد فشل هذا الوفد في إقناع عرابي وليس المجال هنا لتوضيح الأسباب- لكنه أصر على المقاومة، ولو كان عرابي قد إنصاع لهذا الأمر لكان أمر إحتلال إنگلترا لمصر قد تأجل على أقل تقدير، ليتدخل السلطان بعد هذا لحل لهذه المشكلة. فأعلن السلطان على أثر هذا أمر عصيان عرابي.
ولتحليل ما أدى إلى إعلان السلطان لأمر العصيان أقول:
1- يجب القول بأن العداوة بين السلطان عبد الحميد و إنگلترا عداوة بلغت الدرجة الأولى، وكان يشترك مع عرابي في درجة العداوة هذه.
2- كان غرض السلطان عبد الحميد عدم إضاعة مصر من حظيرة الخلافة العثمانية، وبذل ما في وسعه لتحقيق ذلك.
3- إعلان السلطان لعصيان عرابي قد يكون خطأ من وجهة نظر الكثير -فالسلطان ليس معصومًا-، ولكن عمق فكر السلطان وضحالة فكر عرابي وإصراره على قتال الإنگليز أضاع الفرصة على السلطان من محاولة إستدراك الأمر، فالخطأ خطأ عرابي من الأساس، وأدى في النهاية لسقوط مصر تحت الإحتلال البريطاني.
4- لم يكن أمر العصيان أبدًا بهدف مساندة الإنگليز؛ والذي يشير إليه الكاتب من صيغة سؤاله.
أما شخصية عرابي، فهي تحتاج إعادة دراسة لفحصها ومعرفة أغراضها الحقيقية، فقد سعى لدى عودته من المنفى عام 1901 إلى إقناع الإنگليز بتنصيبه ملكًا على مصر وبلاد العرب. وقد أعلن عن نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب. وقد أثارت تلك المطالبة الخديوي وأنصاره، مما عرض أحمد عرابي لحملة إعلامية شعواء تتقدمها جريدة اللواء والمجلة المصرية وأمير الشعراء أحمد شوقي والذي هجاه في 3 قصائد شعرية، حيث جاء في العدد الثاني في 15 يونيو عام 1901 ونشرتها اللواء بتاريخ 11 يوليو 1901 تحت عنوان ” عاد لها عرابي “. راجع  معرفة المصادر.
2- الشبهة: هل سيتناول المسلسل تعطيله للدستور و الدولة البوليسية التي أسسها و مارست القتل لكل معارض و من نماذج القتل دس السم للشهيد عبد الرحمن الكواكبي؟
الحقيقة: سيكون الرد هنا أيضًا طويلًا؛ لذا سأقوم بتقسيمه إلى ثلاثة ردود حسب التسلسل الوارد في السؤال، فقبل البدء بموضوع الدستور أحب التذكير بأن الدولة العثمانية كانت خلافة تحكم بالشريعة الإسلامية بتطبيق كامل في الجزء الأكبر من عمر دولتها، فكانت المصدر الأساسي للحكم في مختلف القضايا، فعندما تولى السلطان عبد الحميد السلطنة وضع في أولوياته موضوع الدستور و المشروطية [الديمقراطية] (الحكم المقيد)؛ وذلك لإصرار الصدر الأعظم حينها -رئيس الوزراء- مدحت پاشا، فطلب من علماء الشريعة وضع دراساتهم لبيان رأي الشرع الشريف (وهو أساس النظام القانوني والإجتماعي) في الدستور و تخويل المجلس بتشريع القوانين في أمور معينة، فكانت الأراء حول محورين:
اﻷول: قال بأن إعداد الدستور الذي هو (قوانين السياسة) أو (الأصول) وإطاعة القوانين التي يصدرها المجلس بشكل متواز مع هذا الدستور يخالف الشرع الشريف، ويفتح السبيل لقوانين مخالفة للأحكام الشرعية، واستند هذا الرأي على نقطة مهمة هي غياب شرط الإسلام عن عضوية مجلس الشورى، وقد مثل أمين الفتوى “قاره خليل أفندي” العلماء الذين ذهبوا على هذا المذهب.
الثاني: فقال بأن تشكيل مجلس تشريعي بصفة (مجلس الشورى) وإعداد قانون أساسي يُسمى (الأصول) -المقصود به الدستور- لتنظيم أسسه جائز شرعًا؛ بشرط البقاء في دائرة حق التشريع المسموح به لأولو الأمر وفقًا للشريعة الإسلامية، وكان من مناصري الفكرة العالم الشهير بديع الزمان النورسي، كما أرسل من الأزهر علماء الشريعة على المذاهب الأربعة مذكرة إلى السلطان عبد الحميد تأييدًا للمجلس الذي يمثل قلب الأمة.
أعتمد السلطان الرأي الثاني اقتباسًا من أهل الحل والعقد، وسمح بإعلان القانون الأساسي -الدستور- وذلك في عام 1876، فصار الحكم في الدولة العثمانية نظامًا مقيدًا وأٌقر لأول مرة مجلس تشريعي يناط به سن القوانين في إطار التشريع العرفي. وفي عام 1878 أٌلغيت أحكام القانون الأساسي، وعُطّل المجلس العمومي المشكل بموجبه؛ لأنهما لم يثمرا بالثمار المنتظرة منهما. وكان السبب في تعطيل المجلس والدستور هي النكبة القادمة من المجلس -الذي كان أغلب أعضائه والممثلين لجنسيات غير تركية تحكمها الدولة العثمانية مدسوسين من الدول الأوروپية، حيث يطالب جزء كبير منهم بالإنفصال عن الدولة وتكوين كيانات مستقلة- والتي قادها مدحت پاشا ورفاقه في المجلس إلى الدولة العثمانية بعد أخذ أغلبية في البرلمان بدخول حرب مع روسيا عام 1877 المسماة بحرب 93 و كانت تضم (الإمبراطورية الروسية وصربيا ورومانيا والجبل الأسود ومتطوعين بلغار) ضد (الدولة العثمانية)  ونتج عنها خسائر في الأراضي وخسائر مالية ضخمة جدًا، ولعل الإبقاء على المجلس في تلك الظروف كاد أن يؤدي إلى ضياع أراضي الجمهورية التركية الحالية من المسلمين الأتراك أو إلى اضطرار القوى الملية (القوات الشعبية في حرب الإستقلال) للدفاع عن قونية وسيواس بدلًا عن إسطنبول وأزمير، فهزيمة الجيش العثماني في مواقع متعددة في هذه الحرب أدى إلى اتجاه الجيش الروسي جنوبًا لدرجة أنه كان على مقربة حوالي 50 كيلومترًا فقط من عاصمة الخلافة إسطنبول. وأذكر قول بسمارك السياسي البروسي الألماني الشهير عن هذا المجلس والذي ساند عمل السلطان: “من الواضح أن ضرر البرلمان أكثر من نفعه في دولة شعبها غير موحد.“، ولذلك أزعج قرار الحل إنگلترا وفرنسا المساندتين لإقامة دولة أرمينية ودول مستقلة أخرى للطوائف المتنوعة.
لقد خضع السلطان لمتطلبات التاريخ بإغلاق المجلس وإدارة الدولة بنفسه، فأطال عمرالدولة ثلاثين أو أربعين سنة وسط أزمات عاصفة في الداخل والخارج، فهل هذا المجلس في مصلحة دولة الخلافة، أم هو طريقة سريعة لهدمها؟
أما عن الدولة البوليسية التي أسّسها أو جهاز المخابرات الذي أسسه السلطان، فأترك الرد فيه للسلطان نفسه من مذكراته، فيقول مبينًا الغرض منه: “حسب العرف العثماني، يتعرف السلطان على تفكير الرعية وشكواها عن طريق جهاز الحكم، من ولاته وقضاته من جانب، وعن طريق التكايا المنتشرة في ربوع البلاد بمشايخها ودراويشها من جانب آخر، فيجمع كل هذه الأخبار ويدير البناء عليها. جدّي السلطان محمود الثاني وسع دائرة مخابراته بإضافة الدراويش الرحل إليها. كان ذلك عندما ارتقى العرش، وعلى ذلك استمر. علمت ذات يوم من موسوروس پاشا، سفيرنا في لندن، أن الصدر الأعظم السابق، السَرْ عسكر حسين عوني پاشا تسلم نقودًا من الانگليز. إذا كان الصدر الاعظم وهو يحكم البلاد باسم السلطان يخون دولته، فإن مخابراته لابد أن تبلغ القصر على أنه يؤدي عمله على الوجه الأكمل، لذلك تكدرت وتأثرت في أثناء تلك الايام قابلني محمود باشا، وأدلى إلي ببعض معلومات عن بعض أعضاء تركيا الفتاة، وكانت الاخبار التي قدمها لي هامة. سألته عن طريق حصوله عليها، فعرفت أنه أنشأ مخابرات خاصة، واحتوى -بالنقود- أقاربًا لبعض الأشخاص من “تركيا الفتاة”، وهؤلاء كانوا يقابلون أقاربهم ويسمعون منهم ثم يخبرونه فيدفع لهم. صحيح أنه زوج أختي، إلا أنه لايصح أن يقيم أحد پاشوات الدولة مخابرات مستقلة عن مخابرات الدولة. قلت له أن يحل جهازه هذا فورًا، وألا يعاود العمل بمثل هذا الأمر مرة أخرى، أحال إليّ جهازه هذا، وهو متضايق كثيرًا. لايمكن للدولة أن تكون آمنة، إذا تمكنت الدول الكبرى أن تجند لخدمة أهدافها أشخاصاً في درجة وزير أعظم. بناءً على هذا قررت إنشاء جهاز مخابرات يرتبط بشخصي مباشرة، وهذا هو الجهاز الذي يسميه أعدائي بالجورنالجية (الشرطة السرية = المخابرات)، وكان ضروريًا أن أعرف أن بين أعضاء جهاز الجورنالجية (المخابرات) المخلصين الحقيقيين أشخاصاً مفترين، لكني لم أصدق ولم آخذ بأي شيء يأتي من هذا الجهاز مطلقًا دون تحقق دقيق. كان جدّي السلطان سليم يصيح قائلًا: “إن أيدي الأجانب تتجول فوق كبدي، وعلينا أن نرسل السفراء الى الدول الأجنبية لنقل أساليب التقدم الأوروپي وعلينا إرسال الرسل إلى الخارج، ولنعمل سريعًا على تعلّم ما وصلوا إليه”. كنت أحس أنا أيضًا بأيدي هؤلاء الأجانب، ليست فوق كبدي، وإنما في داخله. إنهم يشترون صدروي العظام ووزرائي ويستخدمونهم ضد بلادي. كيف يحدث هذا وهم الذين أنفقت عليهم من خزانة الدولة ولا أستطيع معرفة ما يعملونه وما يديرون ويعدون؟ نعم، أنا أسست جهاز الجورنالجيه (المخابرات)، وأنا أدرته، لكن متى حدث هذا؟ بعد أن رأيت صدروي العظام يرتشون من الدول الأجنبية مقابل هدم دولتهم والتآمرعلى سلطانهم. أسست هذا الجهاز لا ليكون أداة ضد المواطن، ولكن لكي يعرف ويتعقب هؤلاء الذين خانوا دولتي، في الوقت الذي كانوا يتسلمون فيه رواتبهم من خزانتها، وفي الوقت الذي كانت النعمة العثمانية تملؤهم حتى حُلُوقهم“.
ومن أمثلة فوائد جهاز المخابرات أنه كان مثيرو الشغب والإرهابيون يثيرون الأرمن للتمرد ضد الدولة العثمانية، فكان الجنود يتصدون لهم وتُراق دماء كثيرة … كان جهاز السلطان عبدالحميد -خلال ثلاثين سنة- يخبر السلطان فور ظهور كل حركة ولذلك تمكن السلطان من اخماد كل تمرد داخلي في حينه. وللأمانة التاريخية، فإنه مع طول حكم السلطان الذي وصل إلى 33 عامًا للدولة، نتج في نهاية عهد السلطان تجاوزات من هذا الجهاز، شأنه شأن أي جهاز بوليسي في أي دولة، ولكنه لم يكن أبدًا موجه ضد الشعب أو للعمل على قتل المعارضين كما يزعم الكاتب.

كان السلطان عبد الحميد دمويًا !!! حسنًا أين هي الأمثلة -الأسماء- التي تقول عنها والذين قام بقتلهم السلطان؟ هل تقصد مدحت پاشا -رئيس الوزراء الذي ذُكر في الفقرة الأولى من الشبهة- الخائن أحد عملاء الإنگليز الذي كان له يد في قتل السلطان عبد العزيز أم من؟ لم يُعرف عن السلطان حبه للحروب أو القتل أو سفك الدماء بل عُرف برحمته التي حاول أعدائه تشويها، ولم يقم السلطان في تاريخه كله في خدمة الدولة، بالتصديق على تنفيذ حكم الإعدام الا مرتان:

الأولى: حين أطلق أحد رؤساء الخدم النار على منافس له بعد وقوع شجار بينهما داخل القصر السلطاني وكانت في نية السلطان تبديل حكم الإعدام إلى السجن ولكن شيخ الإسلام تدخل قائلًا للسلطان إن لم يعدم هذا فلن يكون هناك قوة رادعة في هذه الدولة.
الثانية: عندما قتل شخص أبيه وأمه فتم إعدامه، ومثبت في وثائق أرشيف قصر يلدز أكثر من 100 حادثة تم الحكم عليها بالإعدام وحولها السلطان كلها للسجن. ومن أشهر أمثلة تخفيف حكم الإعدام حادثة مدحت پاشا الذي اعترف بتورطه في قتل السلطان عبد العزيز، فحكم عليه بالإعدام وتدخل السلطان لتخفيف الحكم إلى السجن، ولو كان السلطان يريد قتله لوافق على تنفيذ الحكم فيه بدل من إرساله لسجن الحجاز- وأمر السلطان بصرف مرتبه لأسرته بصورة منتظمة – أما مسألة قتله بداخل السجن فهي بعيدة تمام البعد عن السلطان، ومن المعروف ومثبت تاريخيًا أن هناك عميل إنگليزي حاول تهريب مدحت پاشا من سجن الطائف على متن باخرة إنگليزية ولكنه فشل. إضافة لهذا نجد الإرهابي المحترف صانع المتفجرات البلجيكي المسمى “إدوارد يوريس” الذي قام بتصنيع القنبلة الموقوتة التي حاول بها الأرمن بالإتفاق معه قتل السلطان بعد خروجه من صلاة الجمعة، والتي انفجرت في عربة تقف بجوار عربة السلطان قبل وصوله لعربته، والذي أعترف بتهمته أمام المحكمة في أنه من قام بهذه العملية، وحكم عليه بالإعدام، فتدخل السلطان وقام بتخفيض الحكم من الإعدام إلى النفي خارج البلاد فقط. أما إدعاء الكاتب بشأن دس السم لعبد الرحمن الكواكبي فلا يوجد دليل على أن السلطان عبد الحميد قتله، بل كان له أعدائه في مصر، ونسب عملية القتل للسلطان خزعبلة مريضة.
3- الشبهة: هل سيتناول المسلسل دور عبد الحميد الثاني في تسليم الاقتصاد العثماني لأوروبا عبر صندوق الدين العثماني الذي وافق على تأسيسه ليسيطر على موارد البلاد و يدس وزراء أجانب في الحكومة؟
الحقيقة: من يقرء هذا السؤال يظن أن السلطان كان خائنًا لدولته. شيء يدعو للضحك :D
الحقيقة إن مشكلة الديون هذه هي من أحد المشاكل العويصة التي ورثها السلطان عبد الحميد، بل ربما هل أكبر مشكلة واجهته منذ توليه السلطنة، فقد تفاقمت هذه الدوين بصورة كبيرة منذ العهد الأخير لعمه عبد العزيز؛ فكانت النسبة العظمى من الديون هي ديون لإنگلترا وفرنسا، وكانت هذه الديون مع فوائدها تشكل نزيفًا مستمرًا لخزانة الدولة. وعندما عجزت الدولة العثمانية عن تسديد ما عليها من أقساط عام 1875 أعلن ما يسمى بإفلاس الدولة العثمانية فأصبحت الدول وبيوت المال ترفض إقراضها. جاءت الحرب العثمانية الروسية 1877-1878 -التي أقحم فيها مدحت پاشا الدولة العثمانية- بعد ذلك فقضت على البقية الباقية لقدرة الدولة المالية، حيث أضافت على كاهلها آثار حرب باهظة، بالإضافة لمصاريف هائلة أثناء تلك الحرب. كان السلطان طوال فترة حكمه يرفض دائمًا المراقبة السياسية الأوروپية التي تُمارس على الدولة العثمانية، وبذل جهده في تطبيق سياسة مستقلة، وكان يعلم مدى خطورة هذه الديون على الدولة، فهي حجة قوية لتدخل الدول الأوروپية الدائنة في شئون الدولة، وبعد فترة أهتدى السلطان لحل لهذه المشكلة، فكانت أول قرارته في نوفمبر 1879 توصل فيه إلى انفاق بين رجال بنك الدولة “گلاطة” وممثلي البنك العثماني، وأعلن مرسوم باسم “الرسوم الستة”؛ لأداء مبلغ مليون و350 ألف ليرة بأن تكون حاصلات رسوم كل من واردات ( الطوابع المالية – المسكرات – الملح – السمك – الحرير – التبغ) لأداء الديون الخارجية وذلك بشكل مستمر. أصدر السلطان كخطوة ثانية فرمان يسمى “فرمان المحرم” في 1881، شكلت بمقتضاه “لجنة إدارة الديون العمومية”، هذه اللجنة تتكون من سبعة أعضاء تمثل الجهات الدائنة، وعمل السلطان على التفاوض مع ممثلي هذه الجهات الدائنة، واستطاع بفضل هذه اللجنة تخفيض ديون الدولة البالغة حينذاك -مع فوائدها- 252,801 مليون ليرة إلى 106,437 مليون ليرة، أي أكثر من النصف، كما تم تخفيض الفوائد إلى 1% فقط، وأصبحت الديون تُدفع بصورة منتظمة للدائنين، فكانت هذه المؤسسة بمثابة وزارة مالية ثانية، لا شك أن هذه الإدارة كانت تأخذ جزء كبير من عائدات الدولة، وكانت الدولة تمر بفترات من الأزمات مالية، حيث لا يستلم الموظفون مرتباتهم في بعض الأحيان إلا كل شهرين. ومع نهاية عهد السلطان كان قد سدد الجزء الأكبر من الديون وهو ما يقرب من ثلاثة أرباعها، وبهذه الخطوة إستطاع السلطان إزالة عامل مهم من عوامل التدخل في شئون الدولة. نختم بقول السلطان وهو يتحدث عن مسئلة الديون: “عندما توليت العرش كانت ديوننا تقترب من ثلاثمائة مليون ليرة، وفّقت إلى تخفيضها إلى ثلاثين مليون ليرة، أي إلى العشر، وذلك بعد دفع ما تطلبته حربان كبيرتان وسحق بعض تمردات داخلية، أما ناظم بك ورفاقه فقد رفعوا هذا الرقم [بعد تولي "الإتحاد والترقي" الحكم بعدي]، من ثلاثين مليون ليرة إلى أربعمائة مليون ليرة، يعني إلى ثلاثة عشر أمثاله!!
يتضح من هذه الأدلة صدق السلطان ورغبته في إزالة نير الديون الضخم عن كاهل الدولة، فهل كان لتأسيس السلطان لمؤسسة الديون العمومية بغرض تسهيل التدخل الأجنبي في شئون الدولة كما يزعم الكاتب؟؟
4- الشبهة: هل سيذكر المسلسل أن عبد الحميد الثاني منع وجود سفن عسكرية عثمانية في المضايق الهامة البوسفور و الدردنيل تجنباً لغضب أوروبا معرضاً بلاده للخطر؟
الحقيقة: هذه الشبهة وشبهة أخرى تقول بأن السلطان أهمل الأسطول شائعتان دون وجود دليل على صحة هذا الكلام، فالأسطول الذي شُيد في عهد أبيه السطان عبد المجيد وطُور بصورة كبيرة في عهد عمه السلطان عبد العزيز قد سُحب إلى خليج القرن الذهبي من قبل السلطان عبد الحميد، و كان ترك السلطان عبد الحميد الأسطول معطلًا من أهم أوجه النقد والإتهام التي ألصقت به، والسبب والدافع لقيام السلطان بهذا العمل ليس تجنبه لغضب أوروپا كما يزعم الكاتب؛ وإنما سيطرة القواد الإنگليز على الأسطول، فقادة الأسطول جلهم من الإنگليز الذين هم العدو الأول للسلطان وللدولة، ولم يخرج الأسطول من الخليج قط حتى إعلان الحرب التركية اليونانية، وأخرج الأسطول في هذه الحرب بناء على أمر من السلطان، بيد أنه منعه من الإبحار أو الإشتراك في الحرب بسفنه المعطلة الفاسدة. وأترك الدفاع للسلطان نفسه الذي يذكر في مذكراته الشخصية السبب وراء سحبه للأسطول:ومقابل هذا، أظهرت هذه الحرب (الحرب العثمانية الروسية) أن الأسطول لم يكن فعالًا رغم كثرة عدده. ربابنة سفننا كلها تقريبًا كانوا من الإنگليز، يعني أن اسطولنا كان في يد الإنگليز. عندما أردنا تغير بعض ربابنة هذه السفن، هرع السفير الإنگليزي إلى القصر، ولم يخجل من التحدث بصراحة وأن يعلق على هذه المحاولة بشكل لا يجعلنا نثق في إنگلترا. على هذا يمكن القول بأنه لم يكن لدينا أسطول، إنه يستعدي علينا إنگلترا وفرنسا من ناحية، ولم يثبت فعاليته في أي عمل في الحرب من ناحية أخرى، ولا يعقل المحافظة على شيء قديم عديم الفائدة ينتج عنه ضرر. أمرت بسحب الأسطول إلى الخليج وهكذا أفهمت الفرنسيين والإنگليز أنه ليس لدينا النية أن ننافسهم في البحر الأبيض، والحقيقة أن هذا التصرف جعل الإنگليز والفرنسيين يبتعدون عن التصادم بنا لفترة طويلة. في مقابل هذا، أسرعت بتجيهز الجيش بالأسلحة الحديثة وإعداده بما هو مناسب من أسطول وفنون الحرب المتطورة. واستدعيت إلى إستانبول الضابط [الألماني] الكبير “كولمار فون در گولتس. إني لو أتحدت مع دولة تسود البحار في الحرب التي أتوقعها ولي أمل في قيامها -يقصد السلطان الحرب العالمية الأولى- في ذلك الحين تكون جيوشي مستعدة للعمل، وسيقوم أسطولي بتسهيل مهمتي، وفوق هذا سيكون تحت يدي جيش يجيد تمامًا حيل الحرب التي تلجأ إليها الأمم التي سأحارب ضدها.بالإضافة لكلام السلطان، فلا يوجد أي دليل يثبت بأن الأسطول في عهد عبد الحميد أُهمل، بل على العكس فالأدلة كثيرة  وتدل على قيام السطان بتطويره وسداد ديون سفن حربية تم شرائها حتى قبل توليه السلطنة، وقد أضيف في عهده بوارج كثيرة وغواصتان، الغواصة عبد الحميد وهي أول غواصة في العالم تطلق طوربيد من تحت سطح الماء، والغواصة عبد المجيد، وكان سلاح الغواصات ما زال حديثًا، إضافة لهذا فقد دفع السلطان من ماله الخاص تكاليف تجارب بناء الغواصات في إستانبول. إرتفعت عدد السفن الحربية المتبقية منذ عهد السلطان عبد العزيز من 39 سفينة إلى 85 سفينة حربية و 79 سفينة مساعدة في عهد السلطان عبد الحميد، وكانت تتكون ما بين سفن حربية وفرقاطات مدرعة ( فرقاطة المسعودية التي جهزت بأحدث الأسلحة والآلات، فرقاطة الحميدية، وفرقاطة معين الظفر وفرقاطة الأورخانية، فرقاطة العزيزية ) وطرادات ( طراد المنصورة، وطراد حفظ الرحمن، وطراد هيبة النعمة ) وعوامات و حاملات طوربيد، وقد أستخدمت هذه السفن في حروب البلقان والحرب العالمية الأولى بل وفي حرب الإستقلال. أمر السلطان بإرسال كثير من السفن الحربية للإصلاح خارج البلاد لأول مرة بعد إنقضاء عصر عمه عبد العزيز، وتم تصنيع جزء آخر من السفن في ترسانات داخل البلاد، وأصبح الطراد المسمى “حامدية” كالأسطورة على ألسنة الناس؛ بسبب المعارك الناجحة عام 1912 وكانت الأوامر التي أصدرها عبد الحميد في هذا الصدد تنص على الآتي :
1- إرسال الطراد الحربي “حامدية” وكذلك الطراد داراما إلى إيطاليا، أما الطرادان ” بيركي ستوفت ” و ” بيكي شوكت ” فيتم إرسالهما إلى ألمانيا.
2- إرسال 4 قوارب من طراز “سامون” إلى فرنسا وترسل إلى إيطاليا مرة أخرى قاربان طوربيد واحد يسمى “عبد المجيد” والآخر يسمى “يونس”.
3- يُرسل إلى ألمانيا 4 قوارب طوربيد من طراز “فاتح” و 5 قوارب طوربيد من طراز “يتر ظفر” أي سهم النصر.
4- يرسل 8 قوارب طوربيد من طراز “نعمة” إلى فرنسا، بالإضافة إلى 213 سفينة مدفعية، وتم إعداد كل هذه السفن الحربية وإصلاحها على الوجه الأمثل ثم عادت مرة ثانية إلى الدولة.
كان الفضل لله ثم للسلطان عبد الحميد في القيام بهذا الواجب الوطني في تحديث الأسطول وتطويره وفق أحدث التكنولوجيا، وهو يستحق كل ثناء وتقدير للسلطان، ولو لم يرد تطوير الأسطول لكان ظل على تركه ملقى في الخليج، وأعتقد أن هذا يكفي للرد.
5- الشبهة: هل سيذكر المسلسل أن عبد الحميد الثاني أهمل الجيش حتى تردت أحواله لدرجة أن الجيش فشل في صد هجوم مستعمراته السابقة بلغاريا و اليونان و صربيا و مقدونيا في حرب البلقان الأولى بالعام 1912؟
الحقيقة: من ضمن الأرث الثقيل الذي ورثه السلطان عبد الحميد أرث الجيش، فبعد الحرب العثمانية الروسية 1877-1878 التي منيت بها الدولة العثمانية بهزيمة كبيرة مع فقدان الكثير من الأراضي وخسائر مالية باهظة، عمل السلطان على تقوية الجيش وسد حاجاته، وزيادة تسليحه وتعليم الضباط الأصول الحديثة للحرب. فأمر تحديث الجيش وتقويته أمر أساسي وإن أرهق هذا خزانة الدولة المثقلة بالديون، لذا اتبع سياسة إقتصادية تقشفية ووجه جزءًا كبيرًا من إمكانيات الدولة لتقوية الجيش للدفاع عن الدولة ضد أعدائها، فأمر بتأسيس “لجنة التجهيزات العسكرية” (التي أصبحت بعد ذلك نظارة هامة جدًا وقام بإلغائها الإتحاديين)، وقد أفادت تلك اللجنة إفادات عظيمة في تلبية حاجة الجيش من الأسلحة والمعدات البرية والبحرية، من تزويده بالرصاص والبارود والمدافع والإسهام في تقديم المساعدات الازمة التي تجاوزت مئات الآلاف من الليرات في صناعة السفن الحربية الحديثة والمدافع في المعامل العثمانية، وبناء على جهود تلك النظارة التي أتت بثمارتها، قامت بعمليات تصدير سلاح كبيرة إلى المصانع الألمانية.
وأقول أن السلطان بذل جهودًا مضنية في سبيل تقوية الجنود وتعليمهم وتجهيزهم، فبعد أن وجد السياسة الداخلية والعلاقات الدولية لصالحه، شرع في وضع خطة تحديثية شاملة للجيش، فخدمات السلطان في الساحة العسكرية جديرة بالتقدير والإحترام، ويمكن أن أذكر منها في نقاط:
1- العمل على زيادة المدارس الإبتدائية والإعدادية العسكرية.
2- إصلاح الكثير من المؤسسات العسكرية وتجديدها واستحداث العديد منها.
3- تأسيس مدرسة التدريبات الطبية العسكرية عام 1898 بـ”كلخانة”، وهي مدرسة لا نظير لها إلا ڤيينا؛ بغية قيام الطلاب المتخرجون منها بقضاء فترة تدريبهم بها واكتساب الخبرات الازمة وأصبح هؤلاء الطلاب أطباء يقومون بالتدريس في كلية الطب بعد ذلك .
4- استقدام معلمين أكفاء من ألمانيا من أجل المدرسة الحربية، كما استعان بالظباط الألمان لتدريب الجيش العثماني؛ وذلك بإرسال الطلاب والظباط العثمانيين إلى ألمانيا ليتعلموا فيها الإصطلاحات العسكرية  ونظم الجيش الحديثة.
5- أولى إهتمامًا بسلاح المدفعية وجعله في مستوى فرقة.
6- زود الجيش بالكثير من البنادق وفئات المدافع سريعة الطلقات.
7- ربي وأعد في عهده كل ضباط الجيش وقادة الكفاح الوطني الذين خاضوا حروب البلقان والحرب العالمية الأولى ومنهم من حقق النصر في حرب الإستقلال.
8- قام بتقوية إستحكامات مضيق إستانبول، وچناق قلعه [الدردنيل] و. وقد دافعت “چناق قلعه” عن نفسها واستطاعت إحراز النصر في الحرب العالمية الأولى ضد الجيش البريطاني وحلفائه بفضل التعزيزات التي قام بها السلطان.
أما عدد الجيش في عهد السلطان في أراضي الدولة العثمانية فكان يصل إلى حوالي مليون جندي تحت السلاح، وكان ينقسم إلى سبعة جيوش ويتألف كل جيش من فرقتين أصليتين وفرقتين احتياط وفرقتين للحراسة. وفرقة فرسان وفرقة مدفعية، وكان يتكون من وحدات نظامية ووحدات خيالة، وكان الجيش في حالة الحرب يمكنه أن يرتفع إلى 19 وحدة نظامية و20 إحتياطية، و10 مستحفظان، 49 مشاه، 7 خيالة، و5 فرق مدفعية، بالإضافة إلى 3 ألوية (الآي) خيالة مستقلة، 3 ألوية مدفعية، وطابور مدفعية، ونجح جزء من الجيش بناء على التنظيمات السابقة في هزيمة اليونان، وذلك في فترة قصيرة لا تتجاوز شهرًا.
أما ما تعرضت له الدولة من هزيمة في حرب البلفان الأولى أدت لفقدها كل أراضيها تقريبًا في أوروپا، فلم يكن تقصيرًا من السلطان، فقد جهّز السلطان وأعدّ الجيش والأسطول بأحدث التسليحات وأتم تدريب الجيش على أكمل وجه، الهزيمة جاءت من عصابة الإتحاد والترقي بعد تقلدها أمور الدولة، التي أخذت تتهاوى أمام الحماقات التي كانت يتخذها قادتها، وفي سنوات معدودات هدمت ما بناه السلطان في 3 عقود، فكانت نهاية الدولة على يديها، فلعنة الله على كل خائن .
___________________________________________________________________
الله هي آخر كلمة نطق بها السلطان عبد الحميد بقوة قبل أن يسقط فنجان القهوة من يديه، وتفيض روحه إلى بارئها، فنسأل الله له الفردوس الأعلى اللهم آمين.
أختم وأقول بأني قمت بهذا العمل الطويل للرد على الشبهات وتفنيدها؛ لإثبات أنها كلها عبارة عن أكاذيب تستقر في رأس حاقد، وللقول بأن كل مسلم يجب عليه الفخر بتاريخ السلطان رحمه الله، كما أرى أن على كل مسلم العمل على قرائة ودراسة سيرة حياته ليستفيد منها، فهو واحد من خلفاء الدولة الإسلامية المميزين والعظام، فأدعو الله أن يجمعنا نحن المسلمين معه في الجنة.
___________________________________________________________________________________
المصادر المُعتمد عليها :
1- السلطان عبد الحميد خان الثاني المفترى عليه، دارسة من خلال الوثائق، عمر فاروق يلماز، ترجمة طارق عبد الجليل السيد، مراجعة أ . د الصفصافي أحمد المرسي،  دار نشر عثمانلي – إستانبول
2- السلطان عبد الحميد الثاني شخصيته وسياسته، سليمان قوجه باش، ترجمة عبد الله أحمد إبراهيم، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2008
3- مذكرات السلطان عبد الحميد، تقديم وترجمة الدكتور محمد حرب، دار القلم، 1991
4- السلطان عبد الحميد الثاني حياته وأحداث عهده، أورخان محمد علي، دار النيل للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة، 2008
5- الدولة العثمانية المجهولة، 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية، أحمد آق كوندوز، سعيد أوزتوك، وقف البحوث العثمانية، 2008

لمن تؤول الرئاسة في مصر؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تموج الساحة السياسية في مصر الآن بصورة كبيرة وواضحة للجميع، الكل يريد إعادة صياغة دوره في المجتمع، والأغلبية ينظرون بروح التفاؤل والأمل للمستقبل القريب والبعيد، فقد انقشع الظلام وصدعت الأصوات العالية ولم تعد تخشى أحدًا، فهذه الأيام هي أيام فارقة في تاريخ مصر المعاصر، أيام ستعيد تشكيل واجهة مصر مرة أخرى بما يريده شعبها القدير، أيام شاء الله أن تمر علينا ونحن أحياء نراها رأي الأعين؛ فنصبح بهذا شاهدين على العصر؛ نقُصّ لمن يأتي بعدنا ما رأيناه وعايشناه وننقل إليهم روح الأمل والتفاؤل بما ساعدنا الله على تحقيقه على هذه الأرض الكريمة المباركة.
ما يشغل تفكيري في هذه الأيام بصورة كبيرة جدًا ليس نقطة الإنتخابات البرلمانية، فقد قال الشعب كلمته وحُسم الموقف وستؤول الأغلبية لمن لديه القدرة وحب الناس. الذي أفكر فيه هذه الأيام بصورة كبيرة هي نقطة رئيس الجمهورية. فقد جاء اليوم الذي سيختار فيه المصريون رئيس يحكمهم. شيء كان بعيد عن مخيلة أُناس كُثر، وكثير من المصريين لم يفكروا في يوم من الأيام بأحد غير مبارك، ولو لم يكن مبارك فستؤول لجمال، غير هذا فلا يعتبر منطقيًا!!
يظهر على الساحة المصرية الآن والذين أرى من وجهة نظري ينحصر التنافس فيما بينهم وهم (محمد البرادعي- عمرو موسى- حازم صلاح أبو إسماعيل- عبد المنعم أبو الفتوح- محمد سليم العوّا) غير هؤلاء لا أتوقع أن يأخذوا نسبة كبيرة من الأصوات سواء ظهر لنا في الأيام القادمة أشخاص أم لم يظهر، فأجد من هذه القائمة ثلاثة أسماء محترمة جديرة من وجهة نظري بحكم البلد وهم (حازم صلاح أبو إسماعيل- محمد سليم العوّا- عبد المنعم أبو الفتوح)، الذين يسيطر على تفكيرهم السياسة الإسلامية، لذلك فهم من يتوجب على الشعب المصري المسلم إختيارهم ليس فقط لأنهم يحملون فكر إسلامي، إنما لفكرهم السياسي المتميز أيضًا.
أنا واحد من المصريين الذين يتمنوا عودة مصر لحقبتها الإسلامية، عودة الشريعة الإسلامية لحكم مصر من جديد، كما استمرت على هذا الحال منذ فتح “عمرو بن العاص” لها وحتى مجيء “محمد علي” لتنتقل مصر إلى بداية الحكم بمبادئ الحكم الغربي وقوانينه، فكانت البداية الأولى من الحملة الفرنسية ومعرفة المصريين الفارق الحضاري الضخم بين مصر وفرنسا؛ بما جلبه نابليون معه من علماء ومفكرين وتكنولوجيا حديثة، وجاء المنفذ الثاني في البعثات التي أرسلها محمد علي إلى أوروپا لعل من أهمها البعثة التي حملت معها “رفاعة الطهطاوي” الذي عاد  منها مبهورًا إلى مصر بالفكر الفرنسي ومبادئه والواضح جدًا في كتاباته وأهمها كتابه الشهير “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” وعمل على ترجمة كتب الفكر الليبرالي مثل كتاب الشرائع لـمونتسكيو والعقد الإجتماعي لـروسو والقانون المدني الفرنسي وغيرها، والتي كانت البذرة الغربية التي وضِعت في الأرض المصرية الإسلامية لتحويلها لدولة ليبرالية، وجاء من بعده الكثير الذين عملوا على ري هذه البذرة وتنميتها من أمثال أحمد لطفي السيد وسعد زغلول وطه حسين وغيرهم، لتمر حقبة تزيد عن 200 عام بَعُدت فيها مصر عن إسلاميتها وتبنى مفكروها الفكر الغربي.
ونجد الآن على الساحة السياسية الأشخاص ذات الفكر الإسلامي و الليبرالي والعالماني، جميعهم يعمل على نشر فكره في المجتمع والتعريف به وإيضاح أنه الأفضل وأنه ما ينبغي التمسك به، والحديث عن الدولة المدنية والدولة الدينية كثير هذه الأيام، فالإعلام كالعادة ينحاز للفكر المقابل للفكر الديني، والحيادية به تعتبر معدومة، وأغلب الشعب المصري لا يقرء؛ لذا تجده يستقي فكره من التلفاز، فهي الناقذة الأولى لتشكيل عقل المصري، فبدون وعي أو قراءة تجد أشخاص يحبون أو يكرهون لأيديولوجية معينة نتيجة إلقاء الإعلام للضوء عليها بطريقة تخدم أهدافه وتوجهاته؛ لتعمل على إعادة برمجة (غسيل مخ) للشخص الذي يجلس أمامه دون وعي منه أو بوعي، فيجد نفسه من تلقاء نفسه ينجرف تجاه فكر معين.
والشعب المصري بفطرته يحب الدين، ومن هو المسلم الذي تعرّف على دينه معرفة صحيحة ولم يتغلغل في أعماق نفسه ويتمكن منها؟ من الذي يقرء القرآن بتمعن ولم يجد له أثر على نفسه وروحه؟ {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} -الإسراء.
المرشحون الثلاثة الذين أتمنى أن يفوز واحد منهم بالمنصب يحملون الفكر الإسلامي، وبحلم بناء مصر الحديثة، الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، دولة المؤسسات التي تحترم كل شخص في مجاله وتدعمه وتقوية معنويًا وماديًا، الدولة التي تكون كلمتها قوية واثقة من نفسها بناء على موقعها ومعرفة قدرها الحقيقي في المنطقة، الدولة التي تحتل منصب القائد لتعود لتوجه الوطن العربي إلى إسلاميته الصافية النقية، لتعيد توحيد صفوفه بعد تفتت دام عقود عديدة، فيتحتم على المصريين العمل لهذا الهدف و تبنّي الفكر الإسلامي والإختيار من بين هؤلاء المرشحين؛ لإعادة بناء دولتنا في ظل هويتنا التي ندين بها، هويتنا الإسلامية التي نعتز بإنتمائنا لها والتي هي مفخرة لنا في الدنيا بين البشر، وستكون مفخرة لنا بإذن الله كمسلمين أمام الله العزيز الحكيم يوم العرض عليه.

روابط مفيـــ(16)ــدة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
9- مكتبتي – عمل ممتاز يستحق كل تقدير

حدائق ذات بهجة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك نوعية من الكتب لا تنتهي منها بمجرد قرائتك لها ووضعها بداخل المكتبة، بل ترجع إليها كل فترة من الوقت؛ فالنصائح الموجودة فيها تشحذ عزيمتك وتمدك بالمزيد من الإصرار على بلوغ غايتك؛ لما فيها من عبارات بليغة، وقصص لحياة أُناس أفنوا حياتهم في سبيل غاية يريدونها، وكتاب “حدائق ذات بهجة” من هذه النوعية من الكتب.
المؤلَف الثاني الذي أقرئه للدكتور “عائض القرني” بعد تحفته “لا تحزن“. كتاب مميز بلغته ومحتواه، عميق الكلمات بفصاحة ظاهرة، بليغ المعاني برقة واضحة؛ وإن كانت تدل فإنها تدل على تمكن المؤلف من لغته وإن كانت هناك بعض الكلمات التي لا تفهمها لفصاحتها.
الكتاب عبارة عن مجموعة خواطر كانت تتبادر إلى ذهن المؤلف فيقوم بتسطيرها، وجاءت مفيدة وممتعة تكسبك خبرات جديدة، ونصائح مهمة للنجاح في الحياة؛ عبر الأمثال والتجارب الشخصية للمؤلف، وتستشعر من قرائتك للكتاب بعمق إطلاع دكتور عائض على المؤلفات المختلفة وجلب المنفعة وتقديمها لك في هدية جميلة هي هذا الكتاب.
كلمات الكتاب تصيب هدفها مباشرة في سهولة ووضوح ويسر، مع إعطاء الكثير من النصائح العامة لطالب العلم، وذكر أهمية العلم في حياة الإنسان مستشهدًا بمقولات وأبيات شعر لشعراء وعلماء وصحابة كرام، مع التذكير بأهمية القراءة أيضًا في حياة كل منا بصورة عامة، وأنها أساس في حياة المسلم بصورة خاصة؛ نابعة من دينه الذي يحسه عليها.
كما يتحدث الكتاب في مواضع متفرقة عن أدب المسلم، والقناعة، حلاوة المعاناة، التطرف، والفرح، التاريخ، مع عرض تراجم لبعض علماء الشرع من كلمات المؤلف، وأهمية العلم الشرعي في حياة المسلم.
ولا يكون أبلغ في تقييم الكتاب من الإستشهاد بمقولات بسيطة وبليغة سطّرها الكاتب في مواضع متفرقة:
يقول دكتور عائض واصفًا أهمية المطالعة في كتاب: “تشحد الفطنة، وتنبه من الغفلة، وتؤنس من الوحشة، وترفع الجهل، وتدر الرأي، وتكسب التجربة، وتذهب الملل، وتزيل السآمة، وتقوي الذاكرة، وتطلق الإعوجاج، وتطلق اللسان، وتظهر الحجة، وتصحح الخطأ، وتمنع من الخطأ، وتزيد من الفهم، وتلقّن الحكمة
ويقول معطيك مفتاح النجاح في مجالك: “لا يبرع متميز في باب من الأبواب أو فن من الفنون حتى يذوق طعم المعاناة في هذا السبيل، يحترق بنار الجهد، والدأب، والإنصهار؛ ليكون عطائه صادقًا نابعًا من قلبه، ووجدانه
 ويقول عن القراءة: “فما قيمة الزمن بلا مطالعة؟! وما فائدة العمر بلا قراءة؟! وهل يحلو العيش بلا كتاب؟! ذهبت الدول، ونسى الملوك، وتعطلت الأسواق، ودرّست المنازل، وتهدمت القصور، وبادت الحدائق، وفنيت الأموال، وهلك الرجال، ولكن خلدت الحكمة في الكتب، وبقيت المعرفة في الصحف، وقر العلم في المؤلفات، وزادت تركة المعرفة. إن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر
ويذكر أهمية التاريخ قائلًا: “التاريخ ثروة من العظات، وكنز من التجارب، وهو لا يُقرأ لتحفظ جمله، وإنما يطالع لتدبر عظاته وعبره، وليُعلم سنة الله في الأمم
واختم بمقولة جميلة قالها: “من أراد أن يكتب تاريخه كتبه بنفسه، بدموعه، بدمه، بجهده، بسهره وتعبه، بآﻵمة ومعاناته
دار النشر: شركة العبيكان للأبحاث والتطوير
عدد صفحات الكتاب:312
مراجعات لأشخاص قرءوا الكتاب تجدها هنـا

قالوا عنه أنه أفضل ڤيديو علي الإطلاق..وهو فعلًا كذلك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك ڤيديوهات تعبر عن نفسها ولا تكون في حاجة للتعليق عليها، فأترك لكم مشاهدة هذه العظة الجميلة

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 194 other followers